خطابات و تداخلات

المناظرة الخاصة لرئيس جمهورية كوبا، فيدل كاسترو روس، في الطاولة المستديرة حول آخر الأحداث في بلدنا وتصعيد حكومة الولايات المتحدة لأعمالها العدوانية ضد شعبنا، في الخامس والعشرين من نيسان/أبريل 2003.

التاريخ: 

25/04/2003

يا أبناء وطننا:

القصة كاملة بدأت منذ وصول السيد كيسون إلى كوبا. فاعتقال عدة مرتزقة ممن خانوا وطنهم لقاء بعض الامتيازات والمال الذي يتلقونه من حكومة الولايات المتحدة، والحكم بالإعدام على خارجين عن القانون عامّيين أقدموا على خطف زورق ركاب في خليج هافانا باستخدام مسدس وخمسة قطع من السلاح الأبيض، جاءا محصلة استفزاز حاكته حكومة ذلك البلد والمافيا الإرهابية في ميامي. ويبلغ ذلك من الوضوح درجة أن أي كان يستطيع إدراكه.

لا يمكن تحميل السلطات الكوبية أي مسؤولية. إنه أمر أعقد العزم على شرحه، وكذلك شرح أسباب وأهداف كل جراء، والدافع لكل واحد من هذه الإجراءات وغاياته.

رئيس الولايات المتحدة، الذي يحظى بأقلية بالمقارنة مع مجموع عدد الأصوات، وصل إلى منصبه من خلال عملية تزوير فاضحة طبقت فيها مجموعة مافيا ميامي في الولايات المتحدة ذات الأساليب الموروثة عن آبائها الباتستيين وغيرهم من الساسة الفاسدين في عهد كوبا حين كانت مستعمرة جديدة للولايات المتحدة، والذين جرّدتهم الثورة من السلطة.

في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2000 تم منع عشرات الآلاف من الأفرو-أمريكيين من التصويت، وتم اقتياد آلاف كثيرة من الناخبين إلى ارتكاب الخطأ، وذلك بتغيير ترتيب أسماء المرشحين في القائمة، وكانت هناك عملية تزيد إضافية في عملية فرز الأصوات. وعلى هذا النحو، وبفارق عدة مئات من الأصوات، حصل بوش على الأغلبية في ولاية فلوريدا التي كانت حاسمة في انتخابه.

إنه رجل عارف للجميل، لا يخفي واجباته تجاه مافيا ميامي والالتزامات التي قطعها معها في اجتماع انعقد في تكساس.

حتى ما قبل انتخابه، قلت حرفياً في الاحتفال الذي أقيم في بينار ديل ريّو بمناسبة الذكرى التاريخية للسادس والعشرين من تموز/يوليو:

"أعرف جيداً جداً ما قلتموه في لحظات عدم تفكير لأصدقائكم الحميمين من المافيا الكوبية-الأمريكية والذين لا يكتمون سراً: أن مشكلة كوبا تستطيعون حضرتكم حلها بسهولة كبيرة جداً، وذلك في تنويه، كما فهم ونشر محدِّثوكم، إلى أساليب المرحلة المشؤومة التي استُخدمت فيها وكالة الاستخبارات المركزية بشكل مباشر في مخططات لاغتيال قادة بلدنا".

تمثل التزام بوش في أن يحل المشكلة عبر تصفيتي جسدياً، وهو أمر لم أستغربه ولم يبعث عندي القلق في الواقع، بعد أربعين سنة من الاعتداءات والجرائم ضد كوبا.

بلغت حكومته من العداء ومن الرجعية ما توقعه كل الناس. اكتسبت المافيا قوة ونفوذاً أكبر من أي وقت مضى في قلب هذه الإدارة. أفراد عصابات حقيقيون من أصل كوبي، مسؤولين عن مقتل آلاف الأمريكيين الأوسطيين، كأوتو رايش، المعروف تمت دعوتهم لشغل مناصب هامة في مواقع سياسيةٍ تطبيق التوجهات الموضوعة وأفكار والتزامات بوش ضد كوبا. لم يكن قدر ومصير أكثر من 11 مليون كوبا يعنيان شيئاً بالنسبة له.

لن أتوقف عند شرح ما يفكر به السيد بوش و ما هي هواجسه وأفكاره الثابتة. فشعبنا والعالم يعرفانها حق المعرفة.

أصبح رايش مساعداً لوزير الخارجية لشؤون أمريكا اللاتينية. مجلس الشيوخ، جمهوريون وديمقراطيون، ينبذون هذا الشخص. نفعت إحدى فترات استراحة هذه الهيئة كفرصة من أجل تعيينه مؤقتاً. وانطلاقاً من هذا المنصب رسم الخطوط العريضة لسياسة وزارة الخارجية ضد كوبا. هطل وابل من التصريحات الدنيئة والوقحة. كان الحديث يتم يوماً عن إعداد كوبا لحرب إلكترونية ضد الاتصالات في الولايات المتحدة؛ وفي يوم آخر، عن سفينة صينية محمّلة بالأسلحة تتوجه إلى كوبا. لم توجد أبداً مثل هذه السفينة ولا مثل هذه الأسلحة. وبين الأكاذيب الخرقاء من هذا النوع، أتى أكثر الاتهامات غدراً: تطوير كوبا لبرنامج بحث لإنتاج أسلحة بيولوجية. جميع الاتهامات تم تفنيدها والتقليل من شأنها.

في نفس تلك الفترة، في شهر أيلول/سبتمبر عَيّن أوتو رايش كرئيس لمكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة في كوبا جيمس كيسون.

عند انقضاء الفترة المؤقتة لأوتو رايش، كان ينبغي إخضاع استمراره في المنصب لموافقة مجلس الشيوخ، وهو أمر محفوف بالمخاطر، حيث كانت إمكانيات الموافقة على ذلك ضئيلة جداً. التزم الصمت في هذه الهيئة. شغل مكانه في المنصب روجير نورييغا، الذي كان مساعداً رئيسياً في لجنة العلاقات الخارجية التي كان يرأسها الشيطاني هيلمز.

بعد ذلك بوقت قصير، في شهر كانون الأول/ديسمبر 2002، تم تعيين أوتو رايش ممثلاً خاصاً لرئيس الولايات المتحدة لشؤون أمريكا اللاتينية في مجلس الأمن القومي، حيث يتم إعداد واتخاذ القرارات الرئيسية للرئيس. عضو عصابة إرهابي في زناد القوة العظمى يصوّب نحو كوبا!

وأي دليل أفضل على الخطط المكيافيلية لأوتو رايش ومافيته ورئيسه من تصرف رئيس مكتب رعاية المصالح في هافانا؟

ماذا فعل كيسون قبل أن يحتل المنصب الذي كانت تشغله السيدة فيكي هادلستون، التي تم إرسالها ليس إلى أي بلد من أوروبا أو من أمريكا اللاتينية كما كانت تأمل هي، وإنما إلى مالي، في أفريقيا؟

لم يكن تعيينه وليد الصدفة. تعرف رايش على عمل كيسون خلال الفترة التي شغل بها رايش منصب مدير الدبلوماسية العامة في إدارة ريغان. وقد اشتغلا من على قرب تحديداً حين كان كيسون يعمل في دائرة شؤون أمريكا الوسطى في وزارة الخارجية، التي كانت تشكل قاعدة دعم لما سُمّيت "الكونترا" في الحرب القذرة ضد الثورة الساندينية، والتي لعب فيها السيد رايش دوراً هاماً، وهو ما ثبت خلال جلسات الكونغرس المتعلقة بما يسمى "فضيحة إيران-كونترا". وهو أيضاً صاحب خبرة في العمل في بلدان أمريكية لاتينية أخرى مثل هندوراس، كنائب لرئيس البعثة الأمريكية في هذا البلد، والسلفادور وبوليفيا وبنما وغواتيمالا وفنزويلا وغيرها.

كان كيسون قد صرّح في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2001، في مؤتمر حول الأمن القومي بعد العمل الإرهابي المشؤوم المرتكب ضد البرجين التأمين، بأن بلدنا هو البلد "الوحيد الذي لم يلتحق بالجوقة الإقليمية للتعبير الصادق عن التعازي، وتقديم الدعم العسكري والتعاون الدبلوماسي مع الولايات المتحدة".

الحقيقة هي أن كوبا كانت قد أدانت تلك الأعمال الإرهابية بشدة أمام الصحافة المحلية والعالمية وعبّرت عن تعازي شعبنا لشعب الولايات المتحدة وعن استعدادنا لتقديم المساعدة الطبية والإنسانية الفورية. ربما كانت من أوائل البلدان، إذا لم تكن أولها، التي فعلت ذلك وعرضت على الفور فتح مجالها الجوي ومطاراتها لاستقبال طائرات الركاب التي كانت في الجو. فقد كان قد تم منع الهبوط في أي من مطارات الولايات المتحدة.

عند الإعلان عن تعيين جيمس كيسون رئيساً لمكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة في كوبا، صرّح المدير التنفيذي للمجمع الوطني الكوبي-الأمريكي على هذا الصعيد: "نأمل أن يكون هذا السيد مؤهلاً للقيام بسياسة حازمة، كما أمر الرئيس بوش".

تم تقديم جيمس كيسون على أنه أفضل خيار لتنفيذ السياسة المقرّة بشأن زيادة وتصعيد العداء لكوبا انطلاقاً من موقعه في وزارة الخارجية.

قبل أن يصل إلى كوبا، في السادس من آب/أغسطس 2002، اختطف خمسة أشخاص الزورق "بلاستيكو 16"، ومقره لا كولوما، بينار ديل ريو. قدّمت السلطات الكوبية رسمياً، من خلال المذكرة رقم 1428 الصادرة في 27 آب/أغسطس، طلب إعادة الخاطفين إلى كوبا. وبعد ذلك بأشهر تم إطلاق سراح الخاطفين في الولايات المتحدة. لم تكن مجبرة على تقديم أي دعم عسكري للمغامرات الحربية التي تقوم بها الولايات المتحدة.

وفيما يلي الجدول الزمني لخطوات السيد كيسون في كوبا:

10 أيلول/سبتمبر 2002

وصل إلى بلدنا برفقة عقيلته، وقد استقبله في المطار الدولي "خوسيه مارتيه" نائب رئيس مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة، لويس نيغرو.

منذ اللحظة الأولى لوصوله، وفي إطار حفل ترحيبي أقيم في مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة، اتضح الطابع التدخلي لمشاريعه، حين طرح في خطاب مقتضب أمام الموظفين الكوبيين والأمريكيين بأن "هدفه في بلدنا هو التعجيل في عملية الانتقال نحو كوبا ديمقراطية، داعياً إلى دعم جميع الذين يساعدون في عملية الانتقال تلك".

11 أيلول/سبتمبر 2002

في احتفال إحياء ذكرى ضحايا الأعمال الإرهابية المرتكبة في الولايات المتحدة، المنعقد في مكتب رعاية المصالح، نوّه كيسون إلى التوجهات المستقبلية للرئيس جورج دبليو بوش بشأن الحرب ضد الإرهاب، وعبّر عن آماله بأن "يلعب الشعب الكوبي دوراً هاماً في التغيرات التي يتوجب حدوثها في كوبا"، مشيراً إلى حرية التعبير كعامل "يجب أخذه بعين الاعتبار للتغييرات المستقبلية في البلاد".

16 أيلول/سبتمبر 2002

بعد ستة أيام من وصوله، أقيم في مقر إقامة كيسون حفل كوكتيل بمشاركة زعماء 17 مجموعة معادية للثورة، وذلك بهدف تقديم الرئيس الجديد لمكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة وتحديد احتياجات واهتمامات هؤلاء.

عبر كيسون بأنه سيعمل على تطبيق السياسة التي أعلنها الرئيس جورج دبليو بوش، واستفسر عن كيفية مساعدة "المعارضة" وعن المدى الذي يصل إليه نجع التعاون الذي قدمه مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة حتى تلك اللحظة.

وأعرب عن استعداده لفتح باب مقر إقامته وباب المقر على حد سواء لكي يجتمع المعادون للثورة مع دبلوماسيين من بلدان مختلفة.

وأعرب بأنه سيجري جولة في البلاد من أجل معرفة وضع الشراذم. وأكد أن من بين توجهاته المستقبلية يأتي المشاركة في مهرجانات سياسية، كمنابر مفتوحة، وتعليق صور وأسماء "السجناء السياسيين" في مكاتب القنصلية لكي يتعرف إليهم الزائرون.

17 أيلول/سبتمبر 2002

أقيم حفل كوكتيل في مقر إقامة كيسون لغايات مشابهة لأهداف اليوم السابق مع زعماء آخرين معادين للثورة. تمحورت المواضيع التي تم بحثها حول الإذاعة التحريضية، "والصحافة والمكتبات العامة المستقلة".

من 26 إلى 30 أيلول/سبتمبر 2002

استغل الرئيس لحالي لمكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة معرض المنتجات الغذائية الأمريكيةالمنعقد خلال تلك الأيام لكي يقدم نموذجاً عن اتجاه آخر لمشاريعه العدائية.

ففي ختام نشاط أقامه المنظِّمون الأمريكيون على شرف العارضين في فندق "ملياه كوهيبا" (Melia Cohiba)، قرأ كيسون بياناً على الصحافة الأجنبية طرح فيه بأنه ينظر إلى المعرض كمجال للبيع، "والطرف الكوبي سيتكلّم كثيراً ولن يُطبَّق شيئاً في النهاية".

وأضاف بأن كوبا ليست سوقاً هاماً بالنسبة للولايات المتحدة، وبأنها مدينة بالمال لكل العالم، وأن رجل أعمال من بلدان أخرى ينتظرون أن تسدد لهم كوبا أموالهم، وزاد بأن الولايات المتحدة "لا تريد أن تشكل جزءاً من طابور الانتظار هذا".

واستطرد قائلاً: "يريد الكوبيون قروضاً ولا أحد يريد إعطاءهم إياها، لأنهم لا يسددون، إنه سوق صغير حيث يبلغ دخل المواطن عشرين دوراً فقط. تبلغ ديون كوبا 11 ألف مليون دولار، وإذا توفّر لها المال يوماً ما، هي لن تسدِّد".

كانت نواياه بالغة الوضوح. فبالمقابل، لم يذكر كلمة واحدة عن الحصار، الحرب الاقتصادية، عداء واعتداءات حكومات الولايات المتحدة على كوبا خلال 44 سنة.

3 و4 تشرين الأول/أكتوبر 2002

قام كيسون ورئيسة برنامج اللاجئين بجولة مراقبة في محافظة فيّا كلارا لزيارة مهاجرين بطريقة غير مشروعة تمت إعادتهم لكوبا بموجب اتفاقات الهجرة.

في يوم 3 زرا منزلاً في كايبارجين، حيث تقابلا مع مجموعة من هؤلاء المهاجرين بطريقة غير مشروعة، بالإضافة لعشرة أشخاص آخرين استدعاهم المعادي للثورة مارغاريتو روتشي، زعيم شرذمة "جمعية مهاجري القوارب المستقلين، مركز الشمال الكوبي، السلام والديمقراطية والحرية".

يتعلق الأمر بمجموعة من المهاجرين بطريقة غير مشروعة تمت إعادتهم لكوبا وجرى تحويلهم الآن إلى مجموعة من المنشقين، يدلّلهم ويوجّههم السيد كيسون.

في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر فعلوا ذات الشيء في مدينة سانتا كلارا مع مجموعة أخرى من المهاجرين بطريقة غير مشروعة، ممن تمت إعادتهم أيضاً لكوبا بموجب اتفاقات الهجرة.

ولذلك، يحاول العديد منهم التوجه مجدداً إلى الولايات المتحدة لعلمهم بأنه في حال وطأت أقدامهم الأراضي الأمريكية سيتم استقبالهم بامتياز. في هذه الأثناء، يقوم السيد كيسون بتجنيد "منشقين" بينهم.

رئيس مكتب رعاية المصالح والموظفة التي رافقته على حد سواء استخدما خلال المقابلات لهجة عدوانية، مع إشارتهم لشخص رئيس مجلس الدولة بانتقادات متكررة ونبرة ازدراء.

على هذا النحو يراقب رئيس مكتب رعاية المصالح ويزرع العقيدة في نفوس الذين يتوجهون بطريقة غير مشروعة بسبب عدم تلقيهم تأشيرات نظراً لسوابقهم الجنائية والاجتماعية وتتم إعادتهم لكوبا.

7 تشرين الأول/أكتوبر 2002

أقام رئيس مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة وجبة فطور في مقر إقامته، شارك فيها الزعماء المعادون للثورة مارتا بياتريز روكي كابيجو، رينيه غوميز مانزانو، وفيليكس بوني كاركاسيس، وكذلك موظفون آخرون في المقر الدبلوماسي.

عبّر كيسون بأنه قد توجّه إلى فيّا كلارا واستطاع ملاحظة "البؤس" الذي تعيش فيه تلك المحافظة؛ وأدلى بتعليقات أخرى عن زيارته للمناطق الداخلية من البلاد.

10 تشرين الأول/أكتوبر 2002

أقام كيسون وجبة فطور في مقر إقامته، شارك فيها الزعماء المعادون للثورة أوسفالدو باياه ساردينياس، أوسفالدو ألفونسو وفلاديميرو روكا انتونيز؛ وعن الطرف الأمريكي شارك سكرتيرا مكتب رعاية المصالح للشؤون السياسية، فرانسيسكو ساينز، والشؤون الاقتصادية، ريكاردو زونجيغا.

وتم في اللقاء تناول المواضيع التالية: "مشروع فاريلا"، الانتخابات في البرازيل، الوضع في فنزويلا، وبشكل خاص الشراذم المعادية للثورة بشكل عام.

30 تشرين الأول/أكتوبر 2002

في ساعات العصر، وبمشاركة ستة موظفين من مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة، عُقد في مقر إقامة جيمس كيسون اجتماع عمل يتعلق بمشروع "الجمعية من أجل الترويج للمجتمع الأهلي في كوبا"، الذي نظمته وتروّج له الزعيمة مارتا بياتريز روكي كابيجو. تمتع بمشاركة 24 معادياً للثورة.

قال السيد كيسون بـأنه يعرف الصعوبات التي تعترضهم من أجل عقد اجتماعاتهم، ولذلك فهو يفتح لهم أبواب مقر إقامته؛ كما يكرر لهم دعمه المادي والمعنوي، معبراً عن موقف حكومته "لدمقرطة" الجزيرة. طلب المعذرة لعدم تمكنه من مرافقتهم، نظراً لانشغاله في مهام أخرى في المقر.

ترك لهم مقر إقامته، الذي يحظى بحصانة دبلوماسية، والخدمات المطعمية اللازمة.

5 تشرين الثاني/نوفمبر 2002

وصل كيسون وسكرتيره الثاني، زونجيغا، في الساعة 3:15 عصراً إلى نزل معتقلٍ سابق معادي للثورة يتراسل ويتلقى جوائز مباشرة من الرئيس بوش، وهو أوسكار إلياس بيسيت غونزاليز، الذي كان قد تم الإفراج عنه قبل ذلك الموعد بخمسة أيام، بعدما فُرضت عليه أحكاماً عقابية لقيامه بأعمال تنفيذاً لتعليمات من المجمع الإرهابي الكوبي-الأمريكي.

وجها إليه عدداً لا يُحصى من الأسئلة عن نقاط هي محل اهتمامهما من أجل تحقيق أهدافهما المعادية للثورة. السيد كيسون عبّر للمعادي للثورة عن عزمه حث موظفين من مقرات دبلوماسية أخرى لكي يجروا اتصالات معهم.

11 تشرين الثاني/نوفمبر 2002

اجتماع في مقر إقامة كيسون للزعماء المعادين للثورة أوسفالدو باياه ساردينياس، أوسفالدو ألفونسو فالديس، فلاديميرو روكا انتونيز، وأوسكار إلياس بيسيت غونزاليز مع وفد أمريكي في زيارة لكوبا.

كان هذا أمراً معتاداً يشترطه رئيس مكتب رعاية المصالح على كل وفد وممثل أمريكي يزور كوبا. وكانت الغاية من ذلك تعطيل العلاقات السياسية والاقتصادية الكوبية مع الخارج، وذلك من خلال استخدام كل نوع من الأكاذيب والافتراءات يخطر على بال هؤلاء المرتزقة المأجورين لحكومة تهوى الحرب والعدوان وتهدد شعبنا البطل.

وفي ذات اليوم، 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2002، تعرضت طائرة صغيرة لرش المزروعات من طراز إي أن-2 (AN-2) للخطف باتجاه الولايات المتحدة. وزارة العلاقات الخارجية الكوبية، من خلال مذكرتيها اللتين تحملان الرقمين 1778 من عام 2002 و180 من عام 2003، طالبت الحكومة الأمريكية بإعادة الخاطفين والطائرة. لم توجه السلطات الأمريكية ولا حتى اتهامات قضائية للخاطفين، وتم إطلاق سراح هؤلاء بعد ذلك بأربعة أيام. تم حجز الطائرة وبيعها بالمزاد، وسرقتها عملياً، وذلك في مناورة علنية وواضحة ضد كوبا.

21 تشرين الثاني/نوفمبر 2002

اجتماع لكيسون في مقر إقامة الزعيمة المعادية للثورة مارتا بياتريز روكي كابيجو، مع 13 آخرين من عملائه المأجورين. تحدث لهم كيسون عن مادة مصوّرة تتهجم على رئيس الدولة الكوبي شخصياً. واستفسر أيضاً عن بيع أجهزة الاستقبال الإذاعي على الموجة القصيرة والمتوسطة في محال البيع بالعملة الصعبة، وأشار إلى إدخال هذه الأجهزة عن طريق الحقائب الدبلوماسية لمكتب رعاية المصالح، إلخ، إلخ. ثم زوّد الحاضرين تباعاً بما لا يقل عن أربعة صناديق مليئة بنسخ من "البيان العالمي لحقوق الإنسان".

وهذا كهدية من حكومة بلد يحاصرنا منذ أكثر من أربعين سنة ويهدد بتدمير بلدنا، بذات الطريقة التي فعل بها ذلك في أماكن أخرى من العالم.

وأعلن لهم أيضاً عن النية الدعوة لاجتماع في شهر كانون الثاني/يناير 2003 بين وفد من الأطباء الأمريكيين وبين الزعماء المعادين للثورة المتواجدين هناك.

يمكن تماماً لهؤلاء الأطباء أن يتوجهوا إلى أمريكا الوسطى، إلى بلدان من أمريكا اللاتينية أو من أفريقيا، حيث يقدم آلاف الأطباء الكوبيين الأبطال المساعدة وينقذون سنوياً آلاف الأرواح في أماكن نائية حيث لا يشاهَد عادة أطباء السيد كيسون الأمريكيين.

22 تشرين الثاني/نوفمبر 2002

اجتمع في مقر إقامة كيسون الزعماء المعادون للثورة أورلاندو فوندورا ألفاريز، جولاندا تريانا إستوبينان، وخوسيه بارّيرو فارغاس، بدعوة من أولهم. الهدف الرئيسي: جمع معلومات عن أشخاص متضررين من الثورة –أي باعة متجولين أو مرتبطين بالمخدرات أو بغيرها من الجنايات والأعمال غير المشروعة- من أجل مطالبة حكومة كوبا بتعويض.

كانت هذه أول مرة تستخدم فيها الشراذم مقرات مكتب رعاية المصالح لعقد اجتماعاتها بدون حضور دبلوماسيين أمريكيين.

27 تشرين الثاني/نوفمبر 2002

جيمس كيسون وعدة موظفين يقومون بزيارة محافظة سيغو دي أفيلا، في رحلة "للتكيف".

عندما وصلوا إلى البلدية الرئيسية، التي تحمل ذات الاسم، توجهوا إلى منزل أحد المعادين للثورة، حيث اجتمعوا مع أربعة أعضاء آخرين في هذه الشراذم.

أبدى كيسون اهتماماً بوضع المعادين للثورة، والمحاكمات القضائية الجارية، والتي تحدثوا عنها على نحو كاذب، كما كان متوقعاً، عن أعمال ضرب مزعومة وتعذيب جسدي ومضايقة لعائلاتهم.

"المنشق" الذي تمت زيارته، إلى جانب عناصر آخرين على شاكلته، كان قد قام بعملية شغب عامة في مستشفى سيغو دي آفيلا الإقليمي، على نحو قطع فيه خدمات الطوارئ والخدمات العاجلة لمدة ساعتين تقريباً. الاستفزاز الذي قام به هؤلاء العناصر أنزل الأذى بالعديد من المرضى.

ماذا كان يفعل السيد كيسون هناك؟

19 كانون الأول/ديسمبر 2002

تم في ساعات الليل القيام بنشاط ذي "طابع اجتماعي" يتقدمه جيمس كيسون مع اثني عشر موظفاً آخرين من مقره، وعشرة أعضاء في السلك الدبلوماسي، وكان من ينهم ممثلون عن المملكة المتحدة والجمهورية التشيكية وبولندا واليونان وشيلي، وكذلك 52 معادياً للثورية من مجموعات مختلفة.

على خلاف نشاطات أخرى سبق وأجراها مكتب رعاية المصالح مع هؤلاء العناصر، لم يكن في هذه المرة خطابات ترحيب ولا وداع. وبدون أي شكليات بروتوكولبة، توجه كل مدعو وصل إلى المقر إلى المكان الذي يرغبه، حيث أتيحت لهم الفرصة لتناول المأكولات والمشروعات التي يشتهون، بدون قيود، والتحادث بسعادة عن مواضيع ذات اهتمام مشترك. غير أنه كان هناك اجتماعاً استغرق 30 دقيقة للاثنين وخمسين "منشقاً" المدعوين مع العديد من الزعماء الرئيسيين المعادين للثورة: إليزاردو سانشيز باتشيكو، فلاديميرو روكا أنتونيز، رينيه غوميز مانزانو، وفيليكس بوني كاركاسيس.

كان هناك من طلب التقاط صور للتاريخ. كانوا في منزله. يا لمتعة اللقاء في الممثلية الدبلوماسية للقوة العظمى للتآمر على الشعب الكوبي، الذي يدافع عن جزيرته الصغيرة والمحاصرة في وجه الوحش!

21 كانون الأول/ديسمبر 2002

القناة التلفزيونية 51 أجرت مقابلة مع كيسون في ميامي.

"صحافي: … بصفتكم رئيساً لمكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة في هافانا، ها أنت في سفر، والتقيت بالكوبي العادي، ومع منشقين في كوبا، هل عقدتم اجتماعات أيضاً بقادة للمنظمات المعادية لكاسترو في المنفى؟

جيمس كيسون: نعم، مرتين أو ثلاثة. كلما أسافر إلى ميامي أريد أن أجتمع وأجتمع مع كل المجموعات، المجمع الوطني الكوبي-الأمريكي، المجلس من أجل حرية كوبا، مجموعات مستقلة وكل المجموعات هنا، لأنني أريد أن أشرح ما شاهدته في كوبا، ما يحدث هناك، والاستماع إلى وجهات نظرهم حول ما نقوم بفعله، لأرى إن كان هناك شيئاً نريد أن نفعله ولسنا بفاعلين له. إنها محادثة لطيفة جداً وإحدى رسائلي هي أن المهم في كوبا هو أنه نعم توجد معارضة، أنها في عزلة، تتعرض للمضايقة، ولكنها ذات إصرار وعندها الكثير من الجرأة، والمهم هو أن يجتمع أعضاؤها، أن يتحدوا وأن يركّزوا اهتمامهم على ما هو جوهري، على الحقوق المحرومين منها وحول الحريات التي من واجبهم التمتع بها.

إذن، ليس تركيز الاهتمام على أشخاص، على خلافات أيديولوجية؛ المهم هو أن على المعارضة أن تكسب حيزاً، لأنه سيأتي اليوم الذي تحدث فيه عملية انتقالية. هناك عملية انتقالية الآن، ولكن ستكون هناك كوبا جديدة يوماً ما، وعليهم هم أن يشاركوا في بلورة وتقرير مستقبل كوبا. إذن، عليهم أن يكسبوا حيزاً، أن يشرعوا بمناقشة ما يتوجب فعله من أمر مختلف من أجل تغيير كوبا؛ إذن، من الهام أن يركّزوا على ما هو هام، وليس على ما ليس بجوهري.

صحافي: من الاجتماعات التي عقدتموها حضرتكم مع المنشقين –لا أدري أن كنتم تريدون الدخول في هذا النوع من التفاصيل-، ولكن، أين هو الموضع الذي ترون بأنه يمكن لمسيرة المنشقين ألا تكون على ما يرام؟ أي رسالة تودون توجيهها للمنشقين؟ قبل أن أطلب من حضرتكم، إذا سمحتم لي، رسالة للمجموعات المعادية لكاسترو في ميامي. أي رسالة توجهونها حضرتكم للمنقشين في كوبا، هل بودكم التوجه إليهم، وفقاً لما شاهدتموه في كوبا؟

جيمس كيسون: حسناً، أولاً أن مستقبل كوبا… لن نحدد نحن الأمريكيون ماذا سيكون عليه مستقبل كوبا، إنما هم الكوبيون، خارج كوبا وداخل كوبا. من واجبهم، حسب وجهة نظري، نصيحتي، أن يركزوا على ما هو جوهري، ما هي العوامل الهامة؟ عدم الانقسام، الاجتماع ومحاولة التوصل إلى اتفاق حول عشر نقاط، على سبيل المثال، يكونون جميعاً على اتفاق حولها؛ لأنه في الديمقراطية، كل الناس يوجد بينها اختلافات، هناك تحركات، ولكن المهم هو أن هذا هو عبارة عن دكتاتورية عسكرية حيث إذا لم يجتمع الناس، لن تكون أمامهم فرصة كبيرة للتقدم. إذن، فليتفقوا حول ما هو جوهري والسعي لإيجاد نقاط توافق، وليس اختلافات.

صحافي: إحدى الأولويات أيضاً هي مساعدة المنشقين في كوبا. كيف تنوون حضرتكم مساعدة المعارضين لكاسترو؟

جيمس كيسون: حسناً، كما سبق وقلت من قبل، عبر تقديم المعلومات، الدعم المعنوي، الروحي، بأنهم ليسوا وحدهم، بأن العالم يعرف ما الذي يحدث داخل كوبا. أحد التعبيرات عن ذلك هو أن كثيرين من قادتهم تلقوا جوائز أوروبية لحقوق الإنسان ومن أماكن أخرى من العالم، إذن العالم يعرف ماذا يحدث في كوبا، ونحن هناك لكي نقول لهم هذه الحقيقة ومساعدتهم قدر المستطاع.

نحن لا نقدم… ليس صحيحاً ما يقوله كاسترو، أننا نقوم بتمويل المعارضة؛ يأتي إصرار المعارضة من كون النظام قد فشل ونحن موجودون هناك من أجل تقديم دعم الشعب الأمريكي وبقية العالم الديمقراطي لهم في ما يفعلونه، وهو العمل على التمتع بالحقوق الإنسانية الأساسية التي وقّعت كوبا عليها في ‘بيان حقوق الإنسان‘، في البيانات العالمية، ولم تنفذها خلال كل هذه السنوات".

بعد قراءة هذه التصريحات الواضحة للسيد كيسون، كم هو ظالم التأكيد بأن حكومة الولايات المتحدة ورئيس مكتب رعاية مصالحها يمارسان أي تدخل في الشؤون الداخلية الكوبية أو أن "الوطنيين النبلاء" المجتمعين هناك إنما هم معادين للثورة مأجورين للولايات المتحدة!

9 كانون الثاني/يناير 2003

كان جيمس كيسون قد أبلغ وزارة العلاقات الخارجية الكوبية بأنه سيتوجه إلى بينار ديل ريو مع أربعة موظفين من مكتب رعاية المصالح. تم إبلاغه بأنه تلك الرحلة ليس مصرح بها.

كان معروف بأن كيسون سيجري لقاءات مع عدة عناصر. في اليوم نفسه حمل موظف من مكتب رعاية المصالح تسعة صناديق تحتوي على أجهزة استقبال إذاعي وأدبيات مرسلة إلى معادين للثورة في المحافظة المذكورة.

16 كانون الثاني/يناير 2003

شارك في نشاط أقيم في منزل الزعيم المعادي للثورة هيكتور بالاسيوس رويز، من أجل تقديم كتاب ذي محتوي واضح العداء للثورة، مرتبط بخطة ما تسمى "المكتبات العامة المستقلة"، كان قد تم توزيعه في معرضي الكتاب في غوادالاخارا وميامي.

بين 19 و25 كانون الثاني/يناير 2003

قام كل من جيمس كيسون وريكاردو زونجيكا على مدى ستة أيام بجولة في محافظات لاس توناس، أولغين، غرانما، سنتياغو دي كوبا، وغوانتانامو، تم طلبها من أجل إجراء زيارات خاصة، كرسا خلالها الجهود لتزويد الشراذم المعادية للثورة بالمواد، وذلك في سبيل تقوية وتوحيد صفوف ما تسمى "المعارضة" والتأسيس للقاءات مع الوسط الديني.

كانت ذات دلالة تعبيرات كيسون عن وجود خطة تسمى "ستة آلاف ميل"، وتتجلى بالقيام بجولات دورية في جميع المحافظات، وترمي إلى حفز ودعم الشراذم المعادية للثورية بالموارد من أجل تحقيق تطورها.

كما لو أننا كنّا في مرحلة التدخل الأمريكي بعد حرب الاستقلال الأخيرة ضد إسبانيا، والي الإمبراطورية يعكف على تنظيم حزب سياسي.

29 كانون الثاني/يناير 2003

خطف الزورق الإسمنتي الفولاذي "كابو كورّينتيس" (Cabo Corrientes)، من جزيرة خوبينتود، والذي تم اقتياده إلى الأراضي الأمريكية. قدمت السلطات الكوبية مذكرة دبلوماسية تطالب فيها بإعادة الخاطفين الأربعة للزورق المذكور. لم تردّ الولايات المتحدة على المذكّرة الكوبية وتم إطلاق سراح الخاطفين فوراً.

6 شباط/فبراير 2003

خطف زورق سريع لقوات خفر السواحل والتوجه به إلى الولايات المتحدة. لا يُعرف حتى هذه اللحظة إن كانت السلطات الأمريكية قد وجهت أي اتهام قضائي لأي من الخاطفين الأربعة. قدمت وزارة العلاقات الخارجية مذكرة لمكتب رعاية المصالح تطالب فيها بإعادة الخاطفين وتعبّر عن احتجاجها على هذه المناورة الجديدة المعادية لكوبا. لم تردّ وزارة الخارجية الأمريكية على المذكرة الكوبية المذكورة.

7 شباط/فبراير 2003

في ساعات الليل، نشاط في مقر إقامة كيسون تكريماً لوفد ثقافي أمريكي. وكان من بين المشاركين 21 عضواً في الشراذم وخمسة دبلوماسيين من مكتب رعاية المصالح. في ذلك النشاط، قام كيسون بتعزيز ممارسةٍ كان قد بدأها في نهاية عام 2002: إدراج معادين للثورة في نشاطات اجتماعية رسمية للمكتب، والتي كان يدعوا إليها أيضاً مهنيين كوبيين.

22 شباط/فبراير 2003

عقد كيسون مؤتمراً صحفياً لمجموعة من الصحفيين الأجانب المعتمدين في كوبا انتقد فيه بلدنا وطرح بأن السلطات الكوبية تخاف من استيراد كتب وغيرها من المواد، وذكر منها كتب لمارتين لوثير كينغ، وجون شتينبيك وغوشو ماركس كانت ضمن شحنة من الكتب صادرتها السلطات الكوبية بعدما أرسلتها حكومة واشنطن، متحاشياً ذكر كتب هي معادية للثورة وتخريبية علناً جاءت ضمن الشحنة نفسها.

برقية لوكالة الأنباء "أسوشيتيد برس" (أ.ب) حملت عنوان: "جيمس كيسون يدين مصادرة كتب أرسلتها الولايات المتحدة". تقول بعض فقراتها حرفياً:

"لقد قيل للدبلوماسيين الأمريكيين بأن القرار ‘هو قرار حازم من جانب الحكومة‘ عدم السماح بدخول كتب إلى كوبا من أجل توزيعها على مجموعات منشقة، بما فيها المكتبات العامة المستقلة في الجزيرة، هذا ما قاله رئيس مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة في كوبا، جيمس كيسون.

‘وقالوا بأن الأمر لا يتعلق بالكتب بحد ذاتها، وإنما بالأشخاص المرسَلة إليهم‘، هذا ما قاله كيسون لمجموعة من الصحافيين الدوليين. وأضاف بأن البعثة الأمريكية كانت قد استوردت كتباً مشابهة في مناسبات سابقة.

‘إنه الخوف من فقدان السيطرة السياسية‘، هذا ما قاله كيسون، الذي وصل إلى هافانا قبل خمسة أشهر".

24 شباط/فبراير 2003

شارك جيمس كيسون وموظفان آخران من المكتب في مؤتمر صحفي أقيم في منزل المعادية للثورة مارتا بياتريز روكي، وذلك لمناسبتين لا تقلان عن إحياء ذكرى بدء حرب الاستقلال وإسقاط طائرات منظمة المافيا الإرهابية في ميامي "أخوة للنجدة".

مراسلو الصحافة الأجنبية أجروا مقابلة مع كيسون. وبالإضافة للرد على الأسئلة، قام بقراءة وثيقة وأدلى بتصريحات عامة ذات طابع واضح من التدخل والإهانة والتحدي للسلطات الكوبية، ودعا بقية البعثات الدبلوماسية في هافانا إلى أن تحذوا حذو مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة.

في ذلك اليوم نفسه، قامت المنظمة الإرهابية المذكورة "أخوة للنجدة" بعملية بث تلفزيوني غير مشروع إلى بلدنا من الفضاء الجوي الدولي. رغم أن السلطات الكوبية كانت قد نبهت حكومة الولايات المتحدة قبل الرابع والعشرين من شباط/فبراير عن خطط هذه المنظمة، وذكرها بوضوح أن القيام بذلك من شأنه أن يشكل انتهاكاً لقانون الاتصالات السلكية واللاسلكية للاتحاد الدولي للاتصالات السلكية واللاسلكية، لم تفعل السلطات الأمريكية شيئاً على الإطلاق لمنع البث المذكور.

28 شباط/فبراير 2003

عُلم بأن السلطات القضائية الأمريكية، وتنفيذاً لتعليمات من وزارة العدل الأمريكية، وضعت نظاماً ينتهك الحقوق الإنسانية لأبطالنا الخمسة عبر إحالتهم إلى "الفجوة".

كان الأمر قد تجاوز الحدود في الحقيقة.

6 آذار/مارس 2003

في إطار مداخلتي في الجلسة الختامية لاجتماع الجمعية الوطنية للسلطة الشعية، أدليت بتصريحات ردّيت فيها على المقابلة الفظة لرئيس مكتب رعاية المصالح أثناء الاجتماع مع معادين للثورة في الرابع والعشرين من شباط/فبراير.

وألفت انتباهكم إلى أنني لم أُدلِ بها من قبل لأنه في خضم الجهد الهائل الذي نبذله من أجل تذليل عراقيل والسير قدماً ببرامجنا الثورية، لم أكن أعرف بالتفصيل إلى أي مدى كانت قد وصلت غطرسة وجسارة وصلافة مبعوث أوتو رايش:

من بين الأمور التي قلتها:

"في الرابع والعشرين من شباط/فبراير الماضي، وليس إلا اليوم الذي يتم فيه إحياء ذكرى بدء حربنا الاستقلالية الأخيرة تلبية لنداء [خوسيه] مارتيه، اجتمع سيّد يدعى جيمس كيسون، وهو رئيس مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة في كوبا، في شقة في هافانا، مع مجموعة من المعادين للثورة، الذين تدفع لهم حكومة الولايات المتحدة، لغاية ليس أقلها إحياء ذكرى صرخة بايري، الموعد الوطني والمقدّس بالنسبة لأبناء شعبنا. دبلوماسيون آخرون تلقوا الدعوة، ولكن هذه الشخصية العتيدة وحده هو الذي حضر الحفل.

ولكن الأمر لم يقتصر على حضور متكتم. فحين سأله صحافي عمّا إذا لم يكن حضوره تأكيداً لاتهامات الحكومة الكوبية، أكد كيسون: لا، فأنا أعتقد بأنهم قد دعوا جميع أعضاء السلك الدبلوماسي ونحن كبلد ندعم دائماً الديمقراطية والأشخاص الذين يناضلون من أجل نيل حياة أفضل. أنا هنا كمدعو.

أنا لست خائفاً، هذا ما رد به بلا مواربة على سؤال آخر من الصحافيين عمّا إذا لم يكن بالإمكان تفسير حضوره على أنه بادرة غير ودية تجاه الحكومة الكوبية، التي تُظهر المنشقين على أنهم مجموعات تحريضية.

وفيما بعد، وعلى نحو فظ وذامّ، أضاف بلغة إسبانية واضحة: للأسف، الحكومة الكوبية هي التي تخاف، تخاف من حرية الوعي، تخاف من حرية التعبير، تخاف من حقوق الإنسان. إن هذه المجموعة تثبت بأن هناك كوبيين لا يخافون. إنهم يعرفون بأن الانتقال إلى الديمقراطية يشق طريقه. نريدهم أن يعرفوا بأنهم ليسوا بمفردهم، أن العالم بأسره يؤيدهم. نحن كبلد ندعم الديمقراطية، والأشخاص الذين يناضلون من أجل حياة أفضل ومن أجل العدالة.

البرقية الصحفية التي نقلت التصريح أشارت: رغم أن دبلوماسيين أجانب يجتمعون عادة بمنشقين، ليس من المعتاد أن يظهروا في احتفالات عامة أو أن يعبّروا للوسائل الصحفية عن آراء حول الحكومة".

وأضفت في تلك المناسبة: "يدرك أي مواطن كان بأن الأمر يتعلق باستفزاز لا وجل فيه وتحدٍّ. يبدو أنه، هو والذين أوعزوا إليه بارتكاب هذه الفظاظة من قبل عربيد ذي حصانة دبلوماسية، إنما هم يظهرون الخوف بالذات. فخلافاً لذلك، يضحي من الغريب جداً، أن من حق أي كان أن يسأل كم يبلغ عدد زجاجات المشروبات الكحولية التي تم جرعها في ذلك الحفل بالغ الوطنية.

بما أن كوبا تشعر بالخوف الكبير فعلاً، ستأخذ كل ما تحتاجه من الوقت لتقرر بهدوء أي سلوك يجب اتباعه مع هذا الموظف الغريب. ربما يكون بوسع العديد من أعضاء وكالات التجسس الأمريكية العاملين في مكتب رعاية المصالح هذا أن يشرحوا له أن بإمكان كوبا الاستغناء براحة نفس عن هذا المكتب، الذي يقوم بالتغطية على معادين للثورة وهو مقر قيادة أكثر الأعمال التحريضية فظاظة بحق بلدنا. الموظفون السويسريون الذين مثلوهم خلال سنوات طويلة قاموا بنشاط رائع ولم يكونوا يقومون بأعمال تجسسية ولا نظموا أعمال تحريضية. إذا كان هذا هو ما يرغبون بالتسبب به عبر تصريحات بهذا القدر من الإساءة، من الأفضل أن يكون عندهم الخجل من النفس والجرأة على قول ذلك. يوماً ما، لا يهم متى، سيرسل شعب الولايات المتحدة نفسه سفيراً حقيقياً لبلاده: بلا خوف ولا شائبة، كما كان يقال عادة عن الأسياد الإسبان".

7 آذار/مارس 2003

وزارة الخارجية الأمريكية تؤكد نبأ نقل أبطالنا الخمسة إلى وحدات خاصة (فجوة) وأنه اعتباراً من تلك اللحظة سيطبق مكتب السجون إجراءات جديدة على الزيارات القنصلية.

10 آذار/مارس 2003

سلّمت وزارة العلاقات الخارجية المذكرة الدبلوماسية رقم 365 لرئيس مكتب رعاية المصالح يتم فيها الرد بشدة على تحركاته وتصريحاته العامة التدخلية في الرابع والعشرين من شباط/فبراير، وتم إبلاغ المكتب، في معاملة بالمثل للإجراءات المتخذة بحق موظفينا في واشنطن ومع الأخذ بعين الاعتبار النشاط التحريضي وغير المشروع الذي يقوم به مكتب رعاية المصالح، بأن النظم الخاصة بالتنقل إلى خارج منطقة الحركة الحرة لهذه البعثة الدبلوماسية قد تبدلت، ويبدأ تطبيقها فوراً، وأن نظام التبليغ للسفر يتحوّل إلى طلب تصريح للسفر. اعتباراً من تلك اللحظة، أصبح من واجب موظفي مكتب رعاية المصالح أن يطلبوا تصريحاً لمغادرة مدينة هافانا وأن ينتظروا الرد الإيجابي من جانب وزارة العلاقات الخارجية.

11 آذار/مارس 2003

وزارة الخارجية الأمريكية تؤكد لمكتب رعاية المصالح الكوبية في واشنطن تطبيق الإجراءات الجديدة على القيام بالزيارات القنصلية لأبطالنا الخمسة.

12 آذار/مارس 2003

أقيم في مقر إقامة كيسون نشاط مع مجموعة مؤلفة من 18 معادياً للثورة.

سلًمت وزارة العلاقات الخارجية المذكرة الدبلوماسية رقم 390 لمكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة، وتحتج فيها على ازدياد ظروف اعتقال أبطالنا الخمسة سوءاً، وتطالب برفع نظام الانتهاك الذي تم إخضاعهم إليه وأن تعاد لهم جميع حقوقهم وإمكانية اتصالهم المباشر وغير المشروط مع كل ذويهم ومحاميهم وموظفي مكتب رعاية المصالح الكوبية في واشنطن.

13 آذار/مارس 2003

سلّمت وزارة الخارجية الأمريكية مذكرة دبلوماسية لمكتب رعاية مصالح كوبا في واشنطن مذكرة دبلوماسية رداً على مذكرتنا المسلّمة في 10 آذار/مارس بشأن تطبيق نظام تصاريح على موظفينا في واشنطن.

تلقى مكتب رعاية مصالحنا، من خلال وزارة الخارجية، طلب سفر إلى بلدنا تقدم به عضوا الكونغرس المعاديان لكوبا كريستوفر سميث ( جمهوري عن نيوجيرزي) وفرانك وولف (جمهوري عن فرجينيا)، واللذين كانا ينويان الاجتماع مع مجموعات من "المعارضة الأهلية" في بلدنا. كان لهذه الزيارة طابعاً استفزازياً واضحاً واندرجت ضمن تصعيد إدارة بوش ضد بلدنا. وفي الثامن عشر من آذار/مارس أبلغتنا وزارة الخارجية بأن هذه الزيارة أصبحت بلا أثر.

14 آذار/مارس 2003

انعقد مجدداً في مقر إقامة رئيس مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة في هافانا اجتماع مع زعماء معادين للثورة. كان الأمر يتعلق بدورة خُلُقية للصحافيين المزعومين. وكان هذا أسوأ مكان في العالم للحديث عن الخلقية. حضر الاجتماع عدة موظفين من هذه البعثة. وقد تمت دعوة الصحافة الأجنبية لهذا النشاط المعادي للثورة.

وكما شرحت في مداخلتي في البرنامج الخاص في الرابع من نيسان/أبريل، أكرر:

"[…] أحد يجهل بأن السيد كيسون، الرئيس الجديد لمكتب رعاية المصالح، جاء حاملاً التعليمات بالقيام باستفزازات من كل نوع ضد كوبا، وتوخّى تحويل مقره الدبلوماسي ومقر إقامته إلى مقر لتنظيم وتوجيه وقيادة مرتزقة يخونون الوطن خدمةً لقوة أجنبية، أو ينتهكون قوانين أخرى عبر أعمال تُنزل أضراراً خطيرة بالبلاد، سعياً منهم للإفلات الكامل من العقاب. أصبح عشرات منهم يخضعون للمحاكم القضائية التي تُعنى بالجنايات ضد أمن البلاد.

وكم من أمر قامت به حكومة الولايات المتحدة باسم أمن البلاد، بما فيها حرباً همجية، بدون أي اعتبار آخر. خلافاً لذلك، علينا نحن أن نقبل بالامتناع عن معاقبة الذين يخونون البلاد، وهم الذين يدفعون له، بما ينزل ضرراً جسيماً على أصعدة كثيرة. إنهم أشخاص يعملون ضد مصالح وطننا وضد أمن شعبنا، وذلك في مرحلة جديدة وخطيرة.

إنه خطأ، كان من واجبهم أن يكونوا على قناعة أكبر بما عليه هذا الشعب؛ وبأي مستوى من المعارف يتمتع، وبأي مستوى من الثقافة، من التنظيم، من التحضير، من الكفاح في جميع الحقول إذا ما تعرضت البلاد للغزو. من شأنها أن تبدأ حرب المائة سنة في كوبا؛ نحن لا نتمنى ذلك، ولكننا نجد أنفسنا مضطرين للتهيؤ لها وخوضها إذا ما فرضوها علينا.

تجري محاكمتهم في محاكم تُعنى بالجنايات ضد أمن البلاد، وهذا يبعث الغضب عند أسيادهم".

17 آذار/مارس 2003

استُدعي رئيس مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة إلى وزارة العلاقات الخارجية من أجل تسليمه مذكرتي احتجاج: 1) على موقف السيد جيمس كيسون، رئيس مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة، التدخلي والمعادي للثورة والمنتهِك لمعاهدة فيينا حول العلاقات الدبلوماسية الموقعة عام 1961، 2) على البث التلفزيوني غير المشروع الذي قام به إرهابيو "أخوة للنجدة" في الرابع والعشرين من شباط/فبراير وعلى الموقف الصامت من جانب السلطات الأمريكي التي لم تفعل شيئاً لمنع هذا النشاط المنتهِك لأعراف دولية تحكم أعمال البث التلفزيوني، بالرغم من التنبيه الكوبي.

17 و18 آذار/مارس 2003

انعقدت طاولتان مستديرتان تم فيهما كشف النقاب عن الأعمال التحريضية والمعادية للثورة التي يقوم بها مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة وبشكل خاص كيسون.

18 آذار/مارس 2003

تم إعداد بلاغ رسمي عن الاستفزازات المتكررة ولا وجل فيها من قبل رئيس مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة ونُشر في صحيفة "غرانما" يوم 19 آذار/مارس.

اعتقال 32 معادياً للثورة بسبب نشاطاتهم المرتزقة بخدمة قوة أجنبية. تم اتخاذ القرار بالشأن ليل الرابع عشر من آذار/مارس، وذلك فور معرفة نبأ اجتماع مرتزقة في مقر إقامة كيسون، بالرغم من تنبيهات كوبا المتكررة العامة وعبر السبل الدبلوماسية، ومطالبتها بوضع حد لهذا التدخل غير المقبول البتة، وذلك قبل ثلاثة أيام من اتخاذ السيد بوش قراره بتوجيه إنذاره للعراق، في 17 آذار/مارس.

19 آذار/مارس 2003

وزارة الخارجية الأمريكية تبلغ عن منع عدة رحلات اقترحها مكتب رعاية المصالح الكوبية في واشنطن، بما فيها زيارات قنصلية لكل من خيراردو هيرنانديز وفيرناندو غونزاليز.

اعتقال 33 معادياً للثورة آخرين بسبب نشاطاتهم المرتزقة بخدمة الولايات المتحدة.

الساعة 7:24 مساءً. اختطاف طائرة من طراز دي سي-3 (DC-3) تابعة للشركة الوطنية للخدمات الجوية كانت تغطي رحلة بين خيرونا ومدينة هافانا. على مسافة عشرة أميال جنوب مطار بوجيروس، وفي لحظة كان كل شيء فيها جاهزاً للهبوط، أبلغ ربّان الطائرة برج مراقبة الحركة الجوية (ATC) بأنه يواجه مشكلات سياسية على متن الطائرة وأنه يتجه نحو الشمال ولذلك فإنه طلب تزويده بالإحداثيات من أجل التوجه إلى ميامي عبر الطريق الأقصر، لأن ما لديه من المحروقات هو القليل، فأعطيت له التعليمات بالتوجه نحو جزيرة "كايو هويسو" الصغيرة.

الساعة 7:30 مساءً. أبلغ برج مراقبة حركة الطيران في بوجيروس برج مراقبة ميامي بأن طائرة من طراز "دي سي-3 أيروتاكسي" قد تم حرف وجهتها وأنه يوجد على متنها أشخاص مسلحون، وأنها تتجه إلى ميامي. أمر غير متوقّع وغريب جداً: خطف طائرة ركاب وهي في الجو. فمنذ سنوات كثيرة لم يكن قد وقع عمل مشابه، منذ توقيع اتفاقات الهجرة، بل وربما كانت مافيا ميامي تقف وراءه. ليس لدينا طريقة لمعرفة ذلك. فبين أيدهم هم يتواجد الخاطفون والمتواطئون، الذين يتلقون الإقامة ولا يبلغون شيئاً على الإطلاق.

الساعة 9:35 ليلاً. الولايات المتحدة تبدأ قصفها لبغداد ولغيرها من المدن العراقية.

20 آذار/مارس 2003

تم استدعاء رئيس مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة وتسليمه مذكرة دبلوماسية تطالب بإعادة جميع ركاب وملاحي الطائرة والخاطفين والطائرة نفسها. مذكرة مماثلة تم تسليمها في واشنطن لوزارة الخارجية.

خلال يومي 20 و21 حافظت السلطات الكوبية على اتصالها مع وزارة الخارجية الأمريكية ومكتب رعاية المصالح من أجل مواصلة المطالبة بالإعادة الفورية لجميع ركاب وملاحي الطائرة المخطوفة والخاطفين والطائرة.

اعتقال ستة معادين للثورة آخرين، من بينهم الأربعة الأكثر نشاطاً، بسبب تحركاتهم المرتزقة بخدمة قوة أجنبية.

إصدار بلاغين إخباريين عن خطف الطائرة من طراز دي سي-3 (DC-3) ونُشرتا في صحيفة "غرانما" في 21 آذار/مارس من أجل إطلاع المواطنين.

21 آذار/مارس 2003

أبلغت السلطات الأمريكية وزارة العلاقات الخارجية الكوبية ومكتب رعاية مصالح كوبا في واشنطن بأنها لن تعيد الخاطفين الستة للطائرة الكوبية من طراز دي سي-3 وأنه قد تم توجيه التهمة لهؤلاء رسمياً بممارسة القرصنة الجوية، وأن الطائرة قد صودرت بقرار من المحكمة الأمريكية استجابة لدعوى قدمتها امرأة معادية للثورة في ميامي.

في ذلك الأثناء وزع عضو الكونغرس المعادي لكوبا لينكولن دياز-بالارت في مجلس النواب التقرير الذي أعدّه مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة، وسربته وزارة الخارجية الأمريكية للصحافة، عن المضايقة المزعومة التي يخضع لها موظفو هذه البعثة على يد السلطات الكوبية.

اعتقال معاديٍ للثورة آخر لقيامه بنشاطات مرتزقة.

إصدار بلاغ إخباري نُشر في صحيفة "غرانما" في الثاني والعشرين من آذار/مارس تحت عنوان "أنباء جديدة عن طائرة ال‍ دي سي-3 المخطوفة".

22 آذار/مارس 2003

أجريتُ مناظرة في برنامج تلفزيوني خاص حول خطف الطائرة من طراز دي سي-3 في التاسع عشر من آذار/مارس، عبّرت فيها:

"ألا يريدون الآن التحدث عن الإرهاب بالنسبة لطائرة ال‍ دي سي-3 المخطوفة؟ لا يريدون طبعاً استخدام كلمة إرهاب، من الأفضل القول قرصنة، مع أن هذه الكلمة بالغة الفظاظة، لأن قول إرهاب هو اعتراف بأنه تجري ممارسته انطلاقاً من الولايات المتحدة ضد كوبا، الآن، في هذه اللحظة، في هذه اللحظة التي تنشب فيها حرب مريعة ضد بلد عربي من منطقة الشرق الأوسط المتفجرة، وهي حرب يهتز لها العالم.

لا يستطيعون القول بأنهم سيحاكمون الخاطفين لممارستهم الإرهاب، لأن في ذلك اعتراف بالحقيقة. لماذا يذهب هذا النوع من الأشخاص إلى هناك؟ لأنهم على ثقة مطلقة بإفلاتهم من العقاب. ولماذا يذهب هذا النوع من الأشخاص بالإضافة للأمن والإفلات من العقاب؟ لأنه يتم استقبالهم هناك كأبطال وينفعون كمادة أولية للدعاية ضد كوبا.

يذهبون لأنه يوجد قانون، منذ 37 سنة، اسمه قانون الضبط الخاص بالكوبيين، قانون قاتل –كما نسميه نحن- كلف آلاف الأرواح وخلق عدداً لا يحصى من المشكلات.

لقد وصلوا في موعد عهده حديث جداً بزوارق تم الاستيلاء عليها بالقوة، وبطائرات تم الاستيلاء عليها بالقوة وهم الآن أحراراً يتنزّهون في شوارع ميامي. إن الثقة الكاملة بالإفلات من العقاب والامتيازات والفوائد التي يقدمها لهم هذا القانون هي حافز قوي لممارسة الإرهاب.

على من يقع الذنب في ذلك؟ حكومات الولايات المتحدة تتحمل المسؤولية، أكثر من الإرهابيين أنفسهم، عبر قانون يتم تطبيقه على مواطني هذا البلد حصراً.

لقد جاء أناس حتى من الهند وباكستان إلى كوبا بعد سماعهم بقانون الضبط، اعتقاداً منهم أن بوسعهم الاستفادة من هذا القانون؛ لقد قاموا بالضرب حتى الموت وكانوا مستعدين لقتل عمال في السياحة، ممن انتزعوا منهم القارب لكي يتوجّهوا بها إلى الولايات المتحدة.. لا نعرف حتى الآن ماذا فعلوا بهم، إذا ما كان أحدهم يتعرض للعقاب، إذا ما أرسلوهم إلى مكان آخر؛ وهناك أناس قاموا بأعمال ضرب همجية لعدد من الرفاق، الذين فقد بعضهم الوعي ولم يلقوا بهم جميعاً في البحر لأنهم كانوا بحاجة لأشخاص يقودون ذلك القارب من أجل الوصول إلى فلوريدا.

يعلمون أيضاً بأمر التهديدات، محاولات إثارة الرعب، والنظريات الميّالة للحرب ضد كوبا التي تتبعها الإدارة الحالية، ويعرفها هؤلاء الخاطفون ويعتقدون، كما يعتقد المرتزقة المأجورين، بأن هذا سيبعث الخوف عند شعبنا. يشعرون بأنهم يقومون بإسداء خدمة للذين يعدّون ويمارسون هذه النظريات، كنظرية الهجوم المفاجئ والوقائي. لن أتحدث عن هذا الموضوع، لأنه سينبغي عليّ أن أطرح أموراً كثيرة وأنا لا أريد الابتعاد عن الموضوع الأساسي الذي يجمعنا في هذا البرنامج الخاص، ولكن يجب أن يكون واضحاً بأنه لا يمكن لشيء أو لأحد إخافة بلدنا، لأنه بلد، وبدون أن يتخلى عن المعركة في أي ميدان، يعرف النضال ويناضل، أولاً عبر الأفكار بأخلاق عالية جداً، أعلى من طوفان الافتراءات التي حاولوا بها دفن إنجازه الثوري النموذجي، ويعرف ماذا ويفعل ويعلم بأن سلوكه هو سلوك نظيف؛ ليس نظيفاً فحسب، إنما هو لا غبار عليه، نموذجي، وكان قادراً على المقاومة وعلى إثبات كفاءته السياسية ووعيه وثقافته للعالم. لا أريد التحذير، ولكن لا ينبغي أن يتصور أحد أيضاً بأن هذا البلد هو بلد أغبياء ومعتوهين.

عودةً إلى موضوع طائرة ال‍ دي سي-3 المخطوفة، أين هم المذنبون؟ إنه السؤال الذي يجب طرحه مرة أخرى. ولماذا، اللعنة، ليس عندهم حتى اللياقة في إعادة تلك الطائرة؟ تلك المذكرة التي ذكرتها، التي قلت بأنها بنّاءة، عبّرت عن الرغبة في التمكن من إعادة الطائرة، وبدا بأن الأمر سيكون كذلك، ونرى الآن بأن بلدهم أضحى عاجزاً عن منع استيلائهم على الطائرة، في حين وصلت إلى كوبا عشرات وعشرات الطائرات الأمريكية المخطوفة ولم يتم أبداً إبقاء طائرة واحدة؛ وإنما لدقائق قليلة من اجل التزود والعودة فوراً. كانت تتم معاملة جميع الأشخاص المخطوفين بلطف؛ لم يكن يتم إرسال حثالة لهم في الساعة الواحدة فجراً؛ وكانت تتم العناية بهم في جميع المجالات، في جميع المشكلات، بالإضافة لفعل كل ما يمكن فعله –كحال تلك الطائرة التي ذكرتها من قبل- في سبيل تفادي وقوع حوادث. غير أنه أصبحت عادة مصادرة أي طائرة كوبية تُخطَف؛ حافز للخاطفين الكامنين والمجانين.

وهناك أكثر من ذلك، كيف بوسع حكومة أن تقول بأنه لا يمكنها إعادة جزء من ملاحي الطائرة المخطوفة وعدم القبول بصيغة أخرى غير الصيغة المذِلّة والظالمة المتمثلة في إبقائهم هناك بالقوة؟ إنه مخطوفين عملياً، فقد حملهم إلى هناك إرهابيون خارجون عن القانون، وضعوا حياة نساء وأطفال وغيرهم من الركاب في خطر. آه!.. يجب أن يبقوا هناك لأن هذا ما خطر على بال قاضٍ، ليس هو إلا من فلوريدا.

كيف يمكنهم تجاهل خطورة القيام بعملية خطف عبر وضعهم سكاكين طويلة على أعناق الطيّارين؟

كيف يمكنهم أن ينسوا بأن هذه هي الطريقة التي خطفوا بها طائرات ركاب أطلقوها لاحقاً ضد البرجين التوأمين في نيويورك وضد البنتاغون وحتى محاولة إطلاق واحدة ضد البيت الأبيض؟ أهو مجرد مزحة يا ترى أو أمر على غير أهمية في بلد شهد موت آلاف الأمريكيين؟ بأساليب متشابهة تماماً: خطف طائرات عبر وضع سكاكين في حناجر الطيارين ثم إطلاقها ضد هدف ما.

إذا كان هناك من بلد يجب أن يبعث فيه الخطف عبر وضع سكين في حنجرة الطيار استياءً وهولاً، إنما هو الولايات المتحدة. والآن، مع وقوع هذا العمل في كوبا، وضحاياه من الأطفال والنساء وأشخاص متقدمين في السن متقاعدين، أناس شرفاء كالذين تكلموا هنا، تتم إساءة معاملة هؤلاء، وحبسهم وفعل ما رووا هنا بأنهم فعلوه لهم.

كيف يمكن الاستيعاب أنه في الوقت الذي يموت فيه على الحدود مع المكسيك ما أصبح يزيد عن 500 شخص في كل سنة من أجل منع الناس الفقراء واليائسين من اجتياز الحدود، في سبيل كسبهم راتب هناك أكبر بعشر أو خمس عشرة مرة، وبعضهم الذين مضى على وجودهم سنوات هناك كمقيمين غير شرعيين وعليهم الذهاب والمجيء لرؤية عائلاتهم وهم يموتون بالمئات، حتى ما قبل أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر؛ ما دام يتم الإعلان اليوم عن وجود عدد لا يحصى من الأجهزة الجديدة، بمعدات ذات مواصفات استثنائية، أكثرها تقدماً في العالم، من أجل منع المهاجرين المكسيكيين من اجتياز الحدود وكبح كل محاولة هناك، حيث يضيع عدد كبير من الأرواح، يستولون على الطائرة المخطوفة ويتخذون من ذلك حجة من أجل منح امتيازات لعدد من الراشدين –هم سبعة على الأقل- شاركوا كمتواطئين بطريقة أو بأخرى في عملية الخطف هذه، بدون التحقيق معهم؟

بل وأنه كان بإمكانهم إعادتهم، وتلقي جميع الضمانات، لأننا نعرف كيف نقدّم ضمانة وما أعطيناها مرة إلا ونفّذناها؛ ولكن، إعادتهم على الأقل، وليس وضع أسبقية بإمكان اختطاف طائرة وبقاء المتواطئين هناك، وعرض البقاء في البلاد على كل المسافرين، بدون استثناء. أين هي الحشمة؟ أين هو الوجل؟ أين هي أخلاق من يطبّقون مثل هذه السياسة؟ إن هذا اسمه حفز أعمال خطف الطائرات.

نعرف حق المعرفة المكائد والخدع التي طالما استخدموها. وها قد بدأت الفضيحة الكبرى للمافيا الإرهابية في تأييدها للخاطفين".

24 آذار/مارس 2003

أصدر مكتب مراقبة الممتلكات الأجنبية التابع لوزارة الخزينة الأمريكية نظماً جديدة تعزز حصار الولايات المتحدة على كوبا وتكيّفه مع الأهداف التحريضية للسياسة المعادية لكوبا المتبعة من قبل إدارة بوش.

اعتقال معاديٍ للثورة آخر لقيامه بنشاطات مرتزقة بخدمة قوة أجنبية.

25 آذار/مارس 2003

اعتقال معاديٍ للثورة آخر لذات السبب.

26 آذار/مارس 2003

ال‍ (USAID) تعلن بأنها ستمنح أرصدة لمشروع "الانتقال نحو كوبا ديمقراطية" الذي ترعاه جامعة ميامي بقيمة مليون دولار.

31 آذار/مارس 2003

نشرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريراً عن حقوق الإنسان في العالم، ويحتوي على جزء مكرس لكوبا، تعطى فيه الأولوية لاتهامات زائفة لبلدنا ويعبّر عن دعم صريح للثورة المضادة الداخلية. كان للهجة وزارة الخارجية المعادية كوبا مزايا مشابهة لما كانت عليه في السنوات السابقة.

في اليوم نفسه بدأت تحدث العواقب المتوقّعة التي كشفتُ عنها في البرنامج التلفزيوني الخاص الذي قُدم في الثاني والعشرين من آذار/مارس كمحصّلة للسلوك المتبع حيال خاطفي طائرة ال‍ دي سي-3 والامتيازات الممنوحة للمتواطئين، عبر إعطائهم الإقامة في الولايات المتحدة.

في الساعة 10:10 مساءً، الجنرال أسيفيدو يعلن بأن قبطان طائرة من طراز إي أن-24 (AN-24)، التي كانت تغطي رحلة بين جزيرة لا خوبينتود وهافانا، قد أبلغ عن وجود مشكلات سياسية على متنها. وقال بأنه لا تتوفر لديهم المحروقات لمواصلة الرحلة وقد هبطت الطائرة في مطار "خوسيه مارتيه". كانت الطائرة في تلك اللحظة على المدرج وكان الخاطف داخلها ويحمل بيده قنبلة.

الساعة 10:45 ليلاً. وجهت تعليماتي للمسؤولين في وزارة الداخلية والطيران المدني:

"تحلّوا بالصبر لا تتخذوا أي قرار بدون البحث أو التشاور معنا مباشرة. إن هذه المسؤولية هي مسؤولية يجب أن تتحملها الحكومة. وهكذا فإنه حالما تتاح الفرصة سنكون على اتصال، لأن علينا أيضاً اتخاذ بعض الخطوات عبر الطرق الدبلوماسية وأن ننظر في إمكانية فعل ذلك لأن الساعة أصبحت متأخرة.

إن رجلاً يحمل قنبلة هو مشكلة يجب التفكير بها بجدية. يجب التحدث معه، إذا كان بالإمكان ذلك.

حاوِلوا الاتصال به من أجل الحصول على مزيد من المعلومات: إن كان واحداً فقط أو هم عدة أشخاص. هي معلومات علينا معرفتها، لأنه د قيل هنا أنه يوجد ستة أطفال على متن الطائرة.

إننا نفكر بطرق لحل المشكلة بدون استخدام القوة".

تحدثت معهم بشكل مسهب وبالتفصيل عمّا يتوجب فعله.

11:14 ليلاً: تنفيذاً لتعليماتي، اتصل كارلوس فالينسياغا هاتفياً برئيس مكتب رعاية المصالح الكوبية في واشنطن، ونقل إليه ما يلي:

"داغوبيرتو، يجب الاتصال حالاً برئيس مكتب كوبا، وايتيكر، وإبلاغه ما يلي: أن طائرة من طراز إي أن-24 وعلى متنها 46 شخصاً، بينهم ستة أطفال، تم اختطافها أثناء رحلة لها من جزيرة لا خوبينتود إلى مطار رانشو بوجيرو من قبل شخص يحمل قنبلة بيده، حسبما أبلغ الطيّار، ويطالب باقتياده إلى الولايات المتحدة.

وأنه بسبب عدم توفر المحروقات الكافية، لم يكن أمام الطيار خياراً آخر غير الهبوط على مدرج رانشو بوجيرو، حيث يطالب الخاطف بالمحروقات من أجل موصلة الرحلة.

وأنه في هذه اللحظة يقف الخاطف في نهاية الطائرة ويبدو أنه يحمل قنبلتين يدويتين.

أن هذا بدون شك هو محصّلة السلوك المتبع من قبل سلطات الولايات المتحدة تجاه الطائرة التي اختُطفت يوم 19، بل والإعلان الذي نشرته الصحافة بشكل واسع بأنه سيتم إطلاق سراح الخاطفين بموجب كفالة مالية.

التعليمات التي أعطيت للسلطات الكوبية في المطار هي، أولاً، عدم القيام بأي عمل يستدعي استخدام القوة، والتحدث معه ومحاولة إقناعه بالتخلي عن نواياه. سيتم استخدام الحجة بأن النبأ الذي نُشر عن إطلاق سراح الخاطفين السابقين هو نبأ عارٍ عن الصحة. والقول له بأن هؤلاء هم مسجونين وتوجَّه إليهم تهمة ارتكاب أعمال قرصنة، وهي جريمة خطيرة.

أننا أردنا قبل كل شيء إبلاغه بالأحداث، والخط الذي سيتم اتباعه، ونقترح عليه أن يفكروا إن كان هناك من طريقة يتم عبرها إخطاره، أي الخاطف، بموقف الولايات المتحدة ضد هذا النوع من الأعمال وما يترتب عليه من عقوبات. بكلمتين: أي شكل من أشكال التعاون من أجل حلَ هذه المشكلة، ليس فقط بسبب ما ينطوي عليه من مخاطر القيام بالرحلة ضمن هذه الظروف التي توجد فيها قنبلة أو قنبلتين باليد، ولا نعرف إن كان صمّام أمانهما موضوعاً.

ثانياً، لأننا نعتقد بأن سيكون ضاراً بالنسبة لحكومة الولايات المتحدة أن تهبط هذه الطائرة الثانية هناك بعد اثني عشر يوماً من عملية الخطف الأولى.

وثالثاً، أن هذه الأسبقيات يمكنها بدون شك أن تولّد موجة من الأعمال من هذا النوع، والتي لا يلائم حدوثها الولايات المتحدة ولا كوبا لأنها تضع سلامة نقل المسافرين في خطر. عادة ما يتم تقليد هذه الأعمال من قبل أشخاص عديمي المسؤولين ومختلّين. نتمنى أن ينظروا حتى في إمكانية إقدام موظفٍ ما من مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة في هافانا على الاتصال بالخاطف مباشرة. من شأن ذلك أن يكون بنّاءً ومفيداً بالفعل".

11:57 ليلاً (بتوقيت كوبا). داغوبيرو يتكلم مع وايتيكر وينقل له ما أوعز بنقله. وايتيكر يوجه إليه بعض الأسئلة الدقيقة. قال أنه سيشرع بإجراء اتصالات وسيعاود الاتصال به خلال دقائق.

ا نيسان/أبريل 2003

12:55 (بتوقيت كوبا) [11:55، بتوقيت واشنطن]. رئيس مكتب كوبا، وايتيكر، يتصل بداغوبيرتو، رئيس مكتب رعاية المصالح الكوبية في واشنطن، ليقول له بأنه تحدث مع مسؤوله ومع كيسون في هافانا، التوّاقين للتعاون وتوجيه رسائل من خلال القنوات المناسبة تقول بأنه هذه هي جريمة كبيرة جداً وأنه إذا ما أتوا إلى الولايات المتحدة سيتم اعتقالهم وسيخضعون لمحاكمة بالغة الشدة.

تم الاهتمام بالأمر باتفاق مشترك وعبر تنسيق الجهود بين كلا الطرفين.

توجه كيسون إلى المطار. للمرة الأولى هو وداوساه، مدير دائرة أمريكا الشمالية في وزارة العلاقات الخارجية، تحالفا على مدى ساعتين في المحاولة الفاشلة لإقناع الخاطف.

اعتباراً من الساعة الرابعة صباحاً أصبحت السلطات الكوبية متكفلة بكل شيء، وقد أبلغت مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة باستمرار عن تطور الأحداث. تم تحقيق إطلاق سراح 22 رهينة من أجل التزود بما يكفي من المحروقات من أجل الهبوط في ألاباما وليس في ملاك المتطرفين في فلوريدا.

بدا ذلك في البداية أمراً مستحيلاً نظراً لكمية المحروقات التي يمكن للطائرة المليئة بالأشخاص أن تحملها. ثم أمكن ذلك مع نزول 22 من الرهائن. هذا ما تم إبلاغه لمكتب رعاية المصالح. تزويد طائرة الإي أن-24 بالمحروقات لا يشكل مشكلة إذا ما تحركت سلطات الولايات المتحدة بالجدية التي وعدت بها وسمحت بعودة الطائرة والملاحين وباقي الركاب.

يبدو بأن القضية قد تم بحثها على مستويات عالية.

صباح يوم الاثنين، وعلى مدى خمس ساعات، تم انتظر رد كيسون، والذي كان بدوره ينتظر رد الحكومة. ما كنّا قد قطعناه من التزام مع الرجل الذي يحمل القنبلة، بعد مغادرة الاثنين وعشرين شخصاً، تمثل في تزويد الطائرة بالمحروقات وأن تقلع في الساعة الحادية عشرة صباحاً. طلب رئيس مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة أربعين دقيقة إضافية، بانتظار الرد؛ وكان قد أصبح معلوماً بأن الطائرة ق تلقت محروقات تكفيها للهبوط في ولاية أخرى. تم التمكن من المماطلة في مغادرة الطائرة على مدى 55 دقيقة، حتى حوالي الساعة 12:00 من منتصف النهار. لم يكن هناك من رد بعد. وعندما وصل الرد، كانت الطائرة قد أصبحت في الجو. القرار غير المنطقي والغبي كان القرار بأن تهبط طائرة الإي أن-24 في كايو ويسو. فهناك تكررت الحكاية: سوء معاملة همجي وإذلال للمسافرين، امتيازات للمتواطئين، لطف في معاملة الخاطف، مصادرة الطائرة، احتجاز طاقم الملاحة. إنما كان أمراً مقرفاً!

ساد رأي أوتو رايش ومافيا فلويدا. لا أحمّل وايتيكر ولا مأمور أوتو رايش مسؤولية ذلك. بدا كيسون عاقلاً ورصيناً، على الأقل لمدة أربع وعشرين ساعة.

نبأ تزويد الطائرة بالمحروقات لكي تواصل رحلتها كان له الأثر المشؤوم الذي جرت محاولة منعه: موجة أكيدة من أعمال الخطف العنيفة لقطع جوية وبحرية تحمل المسافرين.

2 نيسان/أبريل 2003

لم يكن قد مر أربع وعشرون ساعة على ما ذُكر سابقاً، وفي الساعة 1:40 فجراً أبلغت وزرة الداخلية بأنه وصلت معلومات للتو عبر مركز إدارة الوزارة مفادها أن الزورق "باراغواه" (Baragua) هو طور مغادرة مدخل الخليج، وأن عليه عدد غير محدد من الركاب، وأن كل المؤشرات تدل على أنه تعرض للخطف.

وأوعزت وزارة الداخلية بمتابعته عبر زورق الدوريات رقم 040 التابع لقوات خفر السواحل وأن يلتحق زورق سريع بعملية المتابعة.

كان الزورق المخطوف يبحر باتجاه الشمال بسرعة ستة أميال بحرية في الساعة.

في الساعة الثالثة فجراً، أبلغ الخاطفون عبر جهاز اللاسلكي بأنه يوجد على متن القارب خمسون شخصاً، بينهم أطفال بين السادسة والثامنة من العمر، ومن خمسة إلى ستة أجانب وطالبوا بتوفير زورق لهم من أجل متابعة رحلتهم إلى الولايات المتحدة. خلافاً لذلك، فإنهم سيشرعون بإلقاء الرهائن في البحر.

إنها المرة الأولى التي يتم فيها طرح مطلب من هذا النوع. لم يعد ينقص إلا أن يخطفوا حافلة، وأن يضعوا السكاكين في أعناق بعض الأشخاص ويطالبوا بالتوجه إلى بوجيروس والبحث عن طائرة يتوجهون فيها إلى الولايات المتحدة. إنه أمر واضح على الإطلاق، بأن هذا لا يمكن تصوره بكل بساطة.

في الساعة 11:45 صباحاً، نفذ وقود زورق "باراغواه"، المصمم للقيام برحلات في المياه الداخلية، وبقي متوقفاً في عرض البحر على مسافة 30 ميلاً عن الشاطئ بقوة أربعة، ومعرّضاً لخطر شديد للانقلاب والتسبب بمقتل الأربعين شخصاً الذين كانوا بالفعل على متن القارب، ومنهم 29 رهينة، بمن فيهم نساء وأطفال.

في الساعة 2:32 ظهراً تمكنت قوات خفر السواحل من ربط مقدمة القارب المخطوف وإنقاذه من خطر الغرق، واقتياده باتجاه مرفأ مارييل. والخاطفون، الذين وافقوا على عملية الإنقاذ، كانوا على موقف بالغ العدوانية، مهددين بقتل الرهائن إذا لم يتم تزويدهم بالمحروقات عند الوصول إلى المرفأ. كانوا يضعون السكاكين في أعناق عدة نساء كلماكانوا يطالبون بشيء. لم يكن إلا بعد مرور أربعين ساعة على عملية الخطف، أن تم التمكن من إنقاذ جميع الرهائن سالمين، وذلك بتعاونهم هم، والذين ألقوا بأنفسهم إلى الماء. لم يحتج الأمر للصعود إلى القارب، وهو ما كان قد تم تركه كخيار أخير.

بعد ذلك بأيام، في العاشر من نيسان/أبريل، عُلم من خلال مركز إدارة وزارة الداخلية لجزيرة خوينتود أنه بين الساعة الخامسة والنصف والسادسة عصراً قام خمسة أشخاص على نحو مفاجئ وعنيف بتجريد جندي في الخدمة العسكرية كان يحرس مستودعاً لاحتياط القوات المسلحة من بندقية كلاشينكوف، ولاذوا بالفرار في سيارة.

في هذه الخطة كان هناك ضلعاً لثمانية أفراد. كانت نيتهم التجمع في قاعة الانتظار قبيل وصول الطائرة، وانتظار نزول من ستة إلى عشرة أشخاص –طبعاً، لأنهم كانوا ثمانية، كان عليهم أن ينتظروا نزول عدداً من الركاب، وإلا فإن الطائرة لن تتسع لهم-، والقيام في تلك اللحظة بكسر الجدار الزجاجي القائم قبالة المدرج بواسطة مثاقيل، والصعود إلى الطائرة بالقوة وأخذ باقي الركاب كرهائن، ويقدر عددهم بحالي ثلاثين.

في اليوم نفسه، أبلغت وكالة الأنباء "نوتيميكس" (NOTIMEX) بأن قاضٍ فدرالي أمريكي قد صادق على قرار قاضٍ من محكمة فلوريدا يقضي بإطلاق سراح الكوبيين الستة المتهمين بخطف وحرف مسار طائرة من طراز دي سي-3 من كوبا وعلى متنها 31 شخصاً، وذلك بموجب كفالة مالية.

خلال أسبوعين بالكاد كان قد تم خطف طائرتين وهما في الجو ومكتظتين بالمسافرين، وقارب ذي قدرة على استيعاب 100 شخص ولحسن الحظ أنه كان يقل خمسين فقط، وهم قالوا أربعين؛ والهجوم على جندي من أجل انتزاع البندقية الأوتوماتيكية منه والاستيلاء بالقوة على طائرة ركاب أخرى كانت على وشك الهبوط في المطار، وذلك باستخدام تلك البندقية وثلاث قطع من السلاح الأبيض.

الأنباء التي نقلتها الصحافة عن أن قاضٍ من فلوريدا كان قد منح الحرية بكفالة مالية للخاطفين الستة لطائرة ال‍ دي سي-3 أدت إلى تصعيد فوري لنشاطات القوة الكامنة من الراغبين بالهجرة، والذين، ونظراً لسوابقهم الجنائية العامة ومواصفاتهم المنافية للمجتمع، هم ذوي قابلية للمغادرة بطريقة غير مشروعة من خلال استخدام هذه الأساليب.

منذ التاسع عشر من آذار/مارس، عندما حدثت أول عملية خطف لطائرة ال‍ دي سي-3، تم التحقق من وجود 29 خطة وفكرة لخطف قوارب وطائرات عبر استخدام القوة، وهو أمر لم يكن قد حدث منذ زمن طويل.

بعد ثمانٍ وأربعين ساعة من خطف طائرة ال‍ إي أن-24 التي تلقت المحروقات لكي تواصل رحلتها، تم التحقيق في اليوم نفسه في خطتين جديدتين، وفي الثالث من نيسان/أبريل محاولتين أخريين، وفي 5 نيسان/أبريل 4 محاولات؛ وفي 7 نيسان/أبريل 3 محاولات؛ وفي 9 نيسان/أبريل 3؛ وفي 10 نيسان/أبريل محاولتين؛ كان لا بد من الوقف الكلي لهذه الموجة من أعمال الخطف هذه، والتي أثبتت الأحداث المسجلة منذ خطف طائرة ال‍ دي سي-3 في التاسع عشر من آذار/مارس والمعطيات ذات الصلة في الأيام الأولى من نيسان/أبريل، بأنها في أوجّها. كان لا بد من التنفيذ من غير تردد للعقوبات التي فرضتها المحاكم وصادق عليها مجلس الدولة بحق خاطفي زورق "باراغواه".

ليس من شأن الإجراء أن يكتمل إذا لم أنبّه هنا إلى أنه لن يتم تزويد أي طائرة أو زورق كوبي مخطوف بالمحروقات يطلب ذلك من أجل مواصلة الرحلة إلى الولايات المتحدة أو أي بلد آخر، وينبغي على الخاطفين أن يعلموا بأنهم سيخضعون لمحاكمة مستعجلة جداً في المحاكم المختصة، وليس من واجبهم توقع الرحمة من مجلس الدولة. وهكذا أصبح كاملاً ما يتوجب عليهم معرفته. إنه أيضاً إجراء قاسٍ، ولكن لا بدّ منه لأنه يجب اقتلاع مثل هذه الأعمال من جذورها.

تثبت التجربة بأنه عندما يعلم الفاعلون بأنه ليس أمامهم خيار، يمتنعون عن ارتكاب مثل هذه الجرائم. لقد ثبت ذلك على نحو لا يُدحض حين قام شخصان، في شهر أيلول/سبتمبر 1980 –وهما في هذه الحالة من أصل كوبي لسوء الحظ- وبالرغم من التحذيرات التي وُجهت في الوقت المناسب، باختطاف طائرة ركاب أمريكية وأحضروها إلى كوبا. تمت إعادتهم إلى الولايات المتحدة على الفور. لم يحدث بعد ذلك أبداً خلال 22 سنة أن تعرضت طائرة مدنية أمريكية واحدة للخطف باتجاه الأراضي الكوبية، لأنه حتى المجانين، المختلّين، يعرفون بأنه تتم إعادتهم. هكذا يجب أن تتصرف حكومة هذا البلد وليس مواصلة تقديم الدعم والامتناع في أراضيها عن معاقبة مرتكبي هذه الأعمال بكل ما تنطوي عليه من مخاطر، وهي الشقيق التوأم ل‍ "قانون الضبط الخاص بالكوبيين" الذي كلف شعباً كل ما كلّفه من الأرواح.

من المعرف أن من يحاولون التوجه بطريقة غير مشروعة إلى الولايات المتحدة ليسوا أولئك الذين يطلبون ويتلقون تأشيرات من ضمن الكوتة التي تحددها اتفاقات الهجرة، وهم بشكل عام أشخاص هادئين، بدون سوابق جنائية بسبب جنايات عامة، وذوي مستوى تعليمي لا يقل عن الصف التاسع وكثيرين من الفنيين المتوسطين، وكل المعلمين والأساتذة والأطباء والمهنيين الذين يريد مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة تجنيدهم بالقرعة أو بدونها. إن من يحاولون التوجه بطريقة غير مشروعة هم أشخاص ليس من شأنهم أن يتلقوا التأشيرة أبداً بسبب عدم تمتعهم بمستوى تعليمي أو فني، أو بسبب سوابقهم الجنائية والاجتماعية. يقومون هم بإدخال ما يستطيعون من أشخاص بين من يمنحونهم تأشيرات أتت أسماؤهم من ضمن قائمة قاموا بإعدادها مرة، في محاولة منهم لكي يعرفوا، ويريدون تكرارها في كل سنة، وقد قلنا لهم لا، أرادوا التمتع بقاعدة أخرى للتجنيد، يسرقون من خلالها الأدمغة من البلاد أو حرمانها من فنيين يحتاجهم اقتصاد البلاد. وهكذا فإن من يسافرون بطريقة غير مشروعة هم الذين لا يتلقون التأشيرات من هناك. هؤلاء الأخيرين هم الأكثر لجوءاً للعنف والأكثر خطورة. قدرتهم الكامنة كافية لشن موجة من الهجمات باستخدام الأسلحة البيضاء أو النارية، وأخذ رهائن وتهديد أمن وسلامة شعبنا.

إن أخطر ما في المؤامرة على كوبا التي تحيكها مجموعة المافيا في ميامي والأناس الذين تضعهم هي في أقرب الأوساط إلى بوش، العدو اللدود لاتفاقات الهجرة وللانفتاح الفاتر على بيع المواد الغذائية لبلدنا، بعد أربعة عقود من الحصار القاسي، هو الغاية المتمثلة في إلغاء اتفاقات الهجرة والإرغام على هجرة واسعة تكون أداتها الرئيسية "قانون الضبط الخاص بالكوبيين" غير العقلاني والقاتل، وتكون قوته الكامنة من سجناء سابقين لارتكابهم جنايات عامة أو أسوأ المعادين للمجتمع الذين ما يزالوا موجودين في بلدنا، ولن يضمحلّوا إلا عبر البرامج التربوية والاجتماعية، التي لم يسبق لها مثيل في العالم، ويجري اليوم تنفيذها في كوبا.

إن الفكرة الشريرة هي التسبب بنزاع عسكري بين كوبا والولايات المتحدة. يعلقون آمالهم على ذلك للقضاء على الثورة، وقد نسوا ما نبّه إليه ماسيو ويكتسب اليوم قوة أكبر من أي وقت مضى: "من يحاول الاستيلاء على كوبا سيحصد غبار أرضها مجبولاً بالدم، هذا إذا لم يقضِ في الصراع".

إن أكثر من أربعين سنة من الفشل تلو الآخر يجب أن تكون كافية لإقناع أي حكومة أمريكية بأن أكثر الأسلحة تطوراً لن تتمكن من سحق مقاومة شعبنا، الذي يعرف سلفاً أي تكتيك يجب أن يتّبع وأي أشكال من النضال يجب استخدامها لتجاوز التفوق التكنولوجي للمعتدي وتقليص هذا التفوق إلى صفر.

لا يمكن فتح بلد عبر فرق مدرعات وآلاف الدبابات وطائرات الهيلوكبتر وطائرات القصف والطائرات المقاتلة، والعشرات من حاملات الطائرات والسفن الحربية وعشرات الآلاف من الصواريخ. فبعد احتلال المدن وكل الأراضي –يجب أخذ هذا بعين الاعتبار كمبدأ أساسي- ينبغي حكم ملايين الأشخاص في المدن والأرياف. إذا كانوا يعتقدون بأن مجموعات ميامي من المرتزقة من شأنها أن تنفع في شيء في كوبا، فإن هؤلاء لن يدوموا إلا ما تدومه فقاقيع الصابون. وبعد مقتل كل القادة الرئيسيين، الذين لن يرفع أحد منهم الراية البيضاء أبداً، سيحتل عشرات الآلاف من المقاتلين مواقع كل قائد يموت، وسيناضل شعب كوبا جيلاً بعد جيل ضد القوات الغازية. أي أنه عندما يصبح بلدنا محتلاً، لا تكون الحرب قد انتهت، وإنما قد بدأت.

لم يقاتل أي جيش أبداً، في أي عصر، وفي أي مكان من العالم، ضد رجال شعب بين أبنائه مئات الآلاف من المهنيين الثوريين وملايين الأشخاص ذوي المستوى الرفيع والعميق من المعارف والثقافة والعلوم، ممن يعرفون بأن إنجازهم العادل والإنساني، الذي تم تحقيقه في ظل عشرات السنين من الحصار والعداء والاعتداءات من قبل أعتى قوة عظمى يمكن وجودها، ليس لها موازىٍ في التاريخ.

لقد خاضت حكومة الولايات المتحدة للتو، على سبيل المثال، مغامرة في الشرق الأوسط لفتح بلد تعداد سكانه أربعة وعشرين مليوناً، يحيط به ملايين الأشخاص الذين، واعتباراً من ذات الانتماء القومي وذات المعتقد الديني وذات الثقافة، التي تتميز بعدم المبالاة تجاه الموت، يتحوّلون إلى مجتمع مهيب لا بد وأن قدرته الكامنة على المقاومة والنضال كافية لبعث الأرق عند المخططين السياسيين الحاليين للقوة العظمى، على عتبة ما يمكن أن يتحول إلى مأساة أكبر بكثير من مأساة فيتنام.

ها هم الشيعة في العراق يطالبون بانسحاب الغزاة وباستعادة نفطهم وقيام دولة إسلامية.

لا ينبغي النسيان بأن حركة تكونت من المسلمين الشيعة في إيران، موجة بعد موجة من الجماهير العزلاء، وبدون أن تهمها الأرواح التي تضيع، قضت على شاه إيران، شرطي الولايات المتحدة الأقوى والأكثر تسلحاً في تلك المنطقة من العالم. والمسلمون السنّة لن يتخلفوا. لم يسبق لهم أن تمتعوا بدوافع أكبر من اليوم ليرصوا صفوفهم.

استكمالاً للتقرير حول ما حدث في بلدنا، من واجبي الإشارة إلى أن المجموعة التي استولت على زورق الركاب "باراغواه" كانت تتألف من 11 شخصاً، حوّلوا 29 راكباً إلى رهائن، ومن بينهم أربع فتيات سائحات، اثنتين فرنسيتين واثنتين اسكندنافيتين، كنّ أول من هددوا بقتلهنّ، وعياً منهم للضرر الذي من شأن ذلك العمل أن يلحقه باقتصاد البلاد. أي أنه لم تكن لهم أهدافاً سياسياً، ولكنهم كانوا على علم بالموضع الذي ينزلون به أكبر أذى من أجل تحقيق غاياتهم، عبر التهديد بقتل السائحات قبل كل شيء. كانوا يصوّبون المسدس نحو إحداهن، وهو مسدس مرفوع الزناد أيضاً، بدون صمّام أمان.

الدعاية المشينة للإمبريالية وحلفائها تقول بأن الذين حُكم عليهم بالإعدام هم ما يسمون "منشقين"، أي الذين تم اعتقالهم ومحاكمتهم واتخاذ العقوبات بحقهم لارتكابهم جريمة الخيانة للبلاد، وذلك لتحركهم كمرتزقة بخدمة قوة أجنبية تحاصرنا وتهدد بتدمير الثورة منذ أكثر من أربعين سنة عبر فعلها بكوبا ما فعلته للتو بالعراق. لم يتم الحكم على أي من هؤلاء ولا حتى بالمؤبّد، كما فعلت محاكم ميامي مع الأبطال الكوبيين الخمسة أسرى الإمبراطورية لكفاحهم ضد الأعمال الإرهابية الذي أغرقت به حكومة الولايات المتحدة بلدنا.

جميع المشاركين في عمليات الخطف الثلاث المذكورة وفي محاولة خطف طائرة ثالثة، بدون استثناء تقريباً، لهم سوابق جنائية لارتكابهم جنايات عامة.

من الثلاثة الذين حُكم عليهم بالإعدام –ولا أرغب بذكر أسمائهم، وذلك بكل بساطة من أجل عدم جرح شعور ذويهم-، كان للزعيم الرئيسي لخاطفي زورق الركاب ضلعاً في 15 محاكمة قضائية أو ملف جنائي لارتكابه جنايات ذات طابع عام وتم الحكم عليه بالسجن في العديد من المناسبات، وأُنذر رسمياً في 28 مناسبة لمضايقته سائحين واقتيد 119 مرة إلى مقرات الشرطة لأسباب مختلفة.

الثاني حوكم خمس مرات لارتكابه جنايات عامة وأُنزلت فيه عقوبة في أربعة منها.

كان للثالث ضلعاً في سبع محاكمات، من بينها واحدة بسبب الاعتداء بالسلاح الأبيض على عامل بناء –كان رئيس فرقة بناء-، نتج عنه وفاة هذا الأخير.

من الخمسة الآخرين الذين اتُّخذت بحقهم أحكاماً لمدد طويلة من السجن ليس هناك إلا واحداً لا سوابق جنائية له.

يتكلم متحدثون باسم حكومة الولايات المتحدة عن تخوفهم من حدوث هجرة واسعة بطريقة غير مشروعة. لا يمكن لمثل هذا التخوف أن يكون أكثر نفاقاً في الوقت الذي تقوم به المافيا الإرهابية في ميامي وأهم حلفائها في أوساط رفيعة من السلطة، كأوتو رايش وروجير نورييغا بتشجيع الخطف الواسع للطائرات والزوارق الكوبية من قبل سجناء سابقين وخارجين عامّين عن القانون، عبر أخذهم ركاب وغيرهم من الأشخاص الأبرياء كرهائن، من أجل الانتقال إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي يتم عبره السعي لهجرة واسعة محتمة –كما حصل على أثر أحداث الخامس من آب/أغسطس 1994- تنفع كذريعة للقيام بعدوان عسكري على كوبا.

لقد كانت القيادة الثورية الكوبية على وعي كامل للكلفة السياسية للإجراءات التي وجدت نفسها مضطرة لاتخاذها. لا يعتقدنّ أحد بأن هذا لم يتم تحليله تماماً في جميع جوانبه. لقد آلمنا سلفاً جرح كثيرين من أصدقائنا وعددا كبيراً من الأشخاص في العالم نعرف حق المعرفة حساسيتهم المنطلقة من دوافع دينية أو إنسانية أو فلسفية بالنسبة للحكم بالإعدام، والتي نشاطرهم إياها نحن أنفسنا في جوانب كثيرة.

قبل أسابيع قليلة أراد كاتب لامع إجراء مقابلة معي وتناول موضوع الحكم بالإعدام من بين مواضيع أخرى كثيرة. أسمح لنفسي باستخدام بعض العناصر الواردة في تلك المقابلة. لن أذكر اسم من أجرى المقابلة معي:

الكاتب: أيها القائد، يجري في كثير من بلدان العالم إلغاء الحكم بالإعدام. جميع بلدان الاتحاد الأوروبي ألغته، ويتساءل أشخاص كثيرون لماذا في كوبا، حيث يوجد كل ما يوجد من التقدم الاجتماعي، لم يتم بعد إلغاء الحكم بالإعدام.

فيدل كاسترو: أعتقد أنه سؤال يثير الاهتمام.

هل كنّا نشكك بأمر الحكم بالإعدام حين أصبحنا ثوريين، حين كنا نقاتل أو عندما انتصرت الثورة؟ هل كنّا نشكك بأمره في تلك السنوات من الغزو والحرب القذرة ومحاولات الاغتيال وكل ما هو غيرها؟ لا، الحقيقة أننا لم نكن نشكك بأمره. لا، الحقيقة هي أن ما كنّا نمعن التفكير به هو الأشكال، والإجراءات، والجوانب القانونية لهذا الموضوع. ما الذي حدث؟

لقد كان على الحركات السياسية أن تدافع عن نفسها، فالثورات أو الثورات المضادة على حدّ سواء دافعت عن نفسها عبر إجراءات من نوع أومن نوع آخر. الأمر الجوهري بالنسبة لنا كان دفاعنا عن أنفسنا من خلال أعراف وإجراءات قانونية وتجنب الظلم، وفوق أي اعتبار آخر تجنّب كل ما على هامش القانون ومن وراء ظهر العدالة، وهو أمر تجنّبناه ونتجنّبه بأي ثمن.

ليست المسألة أننا نسعد لتطبيق الحكم بالإعدام. كنا ننظر من هذه الزاوية كمسألة حياة أو موت. وبشكل عام، الذين يشاركون في هذه المعارك ينطلقون من المبدأ الواقعي بأنها معركة حياة أو موت. إذا لم يدافع الثوار عن أنفسهم، فإن قضيتهم ستمنى بالهزيمة وعليهم أن يدفعوا ثمن ذلك بأرواحهم. (في هذه الحالة يمكننا القول بأرواح ملايين الأشخاص في هذا البلد، ممن كانوا يقاتلون، أو قُتلوا لاحقاً). كانت هذه بالنسبة لنا فكرة واضحة. وفي عمليتنا نحن شاهدناها وتعلمناها. كثيرون ممن شاركوا في أعمال إرهابية لم يكونوا يفكرون بأن يهزموا هم الثورة. جميعهم كانوا يعيشون على قناعة بأن الولايات المتحدة وقواتها العسكرية هي التي ستلحق الهزيمة بالثورة. وكان المعادون للثورة على قناعة بأن قضيتهم ستنتصر لسبب أو لآخر، وفي هذه الحالة بشكل خاص لأن الصراع كان مع الولايات المتحدة. المسألة بالنسبة لهم كانت صنع قليل من الأمجاد؛ فالقبوع في السجن لم يكن يهمهم كثيراً، ولا كان يحبط هممهم. كانوا ينتظرون تدخل الأمريكيين من أجل إلحاق الهزيمة بالثورة. كيف كان بوسعنا لجمهم؟ هناك الكثير من الميل للارتزاق عند المعادين للثورة؛ فهم يدافعون عن مصالح، وليس عن أفكار. لحسن الحظ أنه لم ينبغِ علينا أن نقاتل متعصّبين لأفكار أو لقضايا. كان لنا امتياز الصراع مع أناس كانت دوافعهم الأساسية أطماع من النوع المادي ومن النوع الاقتصادي ومن النوع الاجتماعي. (تذكّروا ذلك السيّد الذي أدى اليمين بعد انقلاب الحادي عشر من نيسان/أبريل في فنزويلا، وقد أوشك على الإمساك به وأسره حراس شافيز أنفسهم، الذي كانوا ما يزالون هناك، فقد أبقى الانقلابيون على الحراس الذين كانوا هناك؛ اعتقاداً منهم بأنهم جنوداً من ورق، بأنهم ليسوا أبناء بشر). ما كان من شأننا أن نتخلص من المتعصبين؛ وأنا ما كان لي أن أخرج حياً من مئات محاولات الاغتيال التي حيكت ضدي. كنت في إحدى المناسبات أمام آلة تصوير كهذه (التي كانت تصوّرنا)، وكان في داخلها رشاش، وذلك عندما زرت شيلي عام 1971 (في مؤتمر صحفي). من المؤكد بأنهم كانوا سيموتون هناك لو أطلقوا نار ذلك السلاح. ولكن عندما تكون حياتهم في خطر لا يطلقون النار.

أولئك الذين كانوا يظنون بأنه عبر ارتكاب أعمال إرهابية وقتلهم للناس، للمعلمين، وهدر أرواح فلاحين وأرواح جنود يشكلون قوتنا، على أمل الحصول على جائزة لاحقاً، كانوا يهابون الموت. ولهذا فإن أخطر الجنايات كان الحكم عليها بالإعدام. هذا هو الفكر الذي كان سائداً. تم الأخذ بخوض تلك المعركة وكسبها، وذلك، عملياً، لدوافع من النوع المعادي للثورة، ومنذ سنوات طويلة لا يتم تطبيقه. آخر محاولة للاغتيال كانت في اجتماع بنما ذلك، التي نظمها وقادها بوسادا كارّيليس، المسؤول عن تفجير طائرة باربادوس.

الكاتب: في اجتماع القمة الأيبيرية الأمريكية؟

فيدل كاسترو: نعم، وألقوا القبض عليه.

اكتشفنا ذلك عبر أساليب التسلل، والبحث عن المعلومات، وحتى عبر أساليب تقنية. ونحن أيضاً نستطيع أن نعرف من أين يتكلم أحد ما عبر هاتف خلوي، على سبيل المثال. أي متعلم تقنياً يعرف ذلك. الصراع يدور الآن لأنهم يريدون إطلاق سراحه. كل هذا تم دفعه من الولايات المتحدة.

نشأ نوع آخر من الجريمة: كانوا يرسلون فتياناً شبان من أمريكا الوسطى ليزرعوا قنابل مقابل خمسة آلاف دولار، غواتيماليين، سلفادوريين، وغيرهم. لم يكووا يأتون هم (أي الرؤوس الكبار)، إنما كانوا يفعلون ذلك عبر مرتزقة. لم يتم تنفيذ الحكم بالإعدام بأي من الذين صدر هذا الحُكم بحقهم.

الكاتب: هل حكم عليهم بالإعدام؟

فيدل كاسترو: حكم عليهم بالإعدام، ولكن لم يتم تنفيذ الحكم.

لا يترتب على ذلك التخلي عن تطبيق هذا الحكم (أي أقصد القانون). لم يكف القانون عن الوجود، القانون الذي ينص عليه، لأنه ليس بوسعك أن تعرف أي عمل همجي يمكنهم تطبيقه على كوبا. إذا ما فجروا طائرة مليئة بالركاب، ليس من شأن شعبنا أن يرضى بالعفو عن مرتكبي هذا الفعل أو الصفح لهم. موقف الناس حول هذا الموضوع عادة ما يكون قاسياً بشكل عام، مع أنه ليس على أي حكومة أن تفعل ما يطلبه الناس. في الواقع العملي، لم يتم في السنوات الأخيرة استخدام الحكم بالإعدام، ولكن لا تخلّي عنه (الحكم بالإعدام على نوع أو آخر من الجريمة). لا أعتقد بأننا نعيش في عالم يسمح لنا بفعل ذلك.

إذا ما تم الشروع بممارسة الإرهاب ضد البلاد، إذا ما ارتكبوا جرائم وقتلوا أطفالاً في مدرسة، أؤكد لك بأنه سيكون من الصعب جداً ضمن هذه الظروف ألا يتم اللجوء إلى أشد الأحكام القانونية، لأنني لا أعرف ما هو وما يمكن أن يسمّى وضع قنابل في مدرسة تلبية لمصلحة قوة عظمى أو حكومة أجنبية.

لا يتعرض الأوروبيون للحصار، ولا هم توضع لهم قنابل في كل يوم. لا أدري ما الذي فعلوه عندما كانت لديهم بعض الجماعات كالألوية الحمراء. لقد سمعت بعض القصص عمّا حدث لبعض أعضاء الألوية الحمراء. كما سمعت كلاماً عن بعض الأشخاص الذين أُعدموا في الخارج، كما حال الفاسكيين، على سبيل المثال.

الكاتب: هل تقصد مجموعات "غال" (GAL)، على سبيل المثال؟، لأنه لا يوجد في إسبانيا قانون حكم بالإعدام.

فيدل كاسترو: لا يوجد قانون حكم بالإعدام، ولكن حدث الآن ما لم نقم نحن بفعله أبداً، أن يتم إعدام أحد، وفي أوروبا تم إعدام عشرات الأشخاص.

الكاتب: على هامش القانون.

فيدل كاسترو: فليكتب تاريخ أعضاء الألوية الحمراء الذين تم إعدامهم على هامش القانون أو فليكتب التاريخ الحقيقي لأعضاء منظمة "إيتا" (ETA) الذين أعدموا على هامش القانون، في وقت لا يوجد فيه قانون حكم بالإعدام. يوجد هنا قانون حكم ولكن لا يوجد إعدام على هامش القانون، ليس هناك حالة واحدة.

هذا لكي ترى المظاهر والفوارق، أين يمكن أن تكون الحقيقة وأين يمكن أن توجد نظريات ديماغوجية ومنافِقة. هناك من كل شيء.

نحن نضمن ألا تحدث هنا أي عملية إعدام على هامش القانون أبداً وعدم حدوث تعذيب أبداً. بإمكانكم أن تسألوا أولئك الذين وضعوا القنابل، إن كانوا هم قالوا كلمة واحدة على أساس التعذيب، أو إن تلقوا ضربة واحدة. طبعاً، ليسوا هم بمتعصّبين، إنهم مرتزقة، يحكون كل شيء على الفور، يكفي أن تثبت ذلك على نحو لا يُدحض. هم أنفسهم يشرحون كيف جاؤوا بالعبوات المتفجرة في جهاز تلفزيون صغير، والمادة المتفجرة من لون كذا، معدّ لكي لا تتمكن الكلاب من اشتمام رائحته، نوع خاص من المتفجرات؛ وأين أتت الصواعق، في بعض الأسلاك الصغيرة؛ الساعة الرقمية التي أتوا بها من أجل إضافتها للعبوة وتفجيرها، إذا ما أرادوا ذلك بعد خمس دقائق أو بعد 99 ساعة. متطورة جداً.

أراد هذا أن يسجّل رقماً قياسياً، أن تنفجر خمس قنابل في وقت واحد تقريباً؛ في حين كان "المجمّع" في ميامي يصرّح بأنهم أفراد من المخابرات العسكرية وأمن الدولة مستاءين، وهو أمر يرون هم بأنه صحيح ومشروع. يوجد حول هذا كم كبير من المطبوعات.

لقد تعاون السلفادوري برجاحة عقل في كشف الأساليب والتقنيات التي كان يستخدمها بوسادا كارّيليس لتنفيذ الأعمال الإرهابية ضد الفنادق (والتي أدت لمقتل شاب على نحو أليم)، مما ساهم في كشف القناع عن الفاعلين الحقيقيين، ووقف مثل هذه الأعمال حتى يومنا هذا. (الحقيقة أن من واجبي القول بأنه كان هناك تعاون ما فوق العادي. يوجد هنا رفاق استطاعوا أن يشرحوا إلى أي مدى تعاون هو منذ اللحظة الأولى؛ حتى أنه أجرى اتصالات، تحدث، فعل كل ما طُلب منه وقد فعل ذلك بنفس هادئة؛ جاءت عائلته، ورأته. حلّت مجموعة من الظروف، درجة أنه حتى الذين عملوا خلال أشهر طويلة مع هذا الشاب، لم ترق لهم كثيراً فكرة تطبيق حكم الإعدام بحقه على الجريمة التي اقترفها. إنها الحقيقة، وأنا أعطيهم الحق في ذلك. هذه هي إجابتي. ما زال هناك من يسألون: "ولكن، كيف..؟" لقد قدّم هذا خدمة كبيرة وساعد على إلقاء القبض على آخرين، لأننا عرفنا كل المعلومات التي كان يعرفها هو، وكان لديه ما يكفي من المعلومات. نعم، من واجبي أن أقول ذلك هنا بكل صراحة، ما حصل حيال هذا الوضع. وكل الناس تقريباً، بقدر اطلاعهم على الطريقة التي تعاون بها كانت ردود فعلهم مماثلة).يوجد من الشبان مثله آلاف على نحو كامن في أمريكا الوسطى، والذين يمكن استخدامهم بنفس الطريقة. هناك بعضهم (مافيا ميامي الإرهابية) عرض حتى ألفي دولار مقابل القنبلة الواحدة، بالإضافة لتذكرة السفر ونفقات الإقامة. لقد استغلوا التسهيلات التي تقدَّم للسياحة.

فيما يتعلق بالجرائم العامة، كان يتم تطبيق حكم الإعدام حتى شهر أيار/مايو من عام 2000.

الكاتب: أولم يطبّق منذ ذلك الحين؟

فيدل كاسترو: لم يطبّق أي حكم. (كان هذا الحديث قبل بضعة أسابيع من الآن).

الكاتب: منذ ثلاث سنوات؟

فيدل كاسترو: إنه نوع مما يسمى تجميد. ولكنني أودّ أن أنبه حول ذلك: ليس الحكم ملغياً. هناك حالتي قتل خطيرتين جداً بانتظار المحاكمة، من بينها واحدة قتل فيها الجاني أربعة أقارب (جدّين مقيمين في ميامي، وحفيد، وابنة لهذين الجدّين، وسائق السيارة، ويقيمون في فيّا كلارا، ذهبوا لانتظارهما في المطار وكانا في طريق العودة عبر الأوتوستراد). هناك حالتي من هذا النوع خطيرتين جداً، تخلقان حالة من الرأي العام بالغة الجدية، هما قيد الحل. ليس هناك التزام بإعفاء نهائي (لا يمكنني أن أتحدث على درجة أكبر من الوضوح).

الحكم بالإعدام لا يتم تطبيقه، ولكن لم يتم التخلي عنه. أشرح لك ذلك لأنني لا أريد أن أخدع أحداً.

إننا نقوم الآن بدراسة الجريمة ومسبباتها. أجرينا دراسات من كل نوع. هناك حالات جرائم تبلغ من الرعب، أنها تبدو مرتكبة على يد أشخاص فقدوا صوابهم. إن أي أحد درس الحقوق يعرف بأن هناك مبدأ في الحقوق يقول بأن الشخص الخارج عن صوابه لا يمكن اتهامه قضائياً.

كم من دراسة أجريت في العالم حول المسببات العقلية، التي يمكن تماماً أن يكون منشأها وراثياً أو من نوع عرضي، وتخلق مشكلات عند الناس وتجعلهم عنيفين. ما هي العناصر الوراثية أو العرضية التي تؤثر على وظيفة عقل الإنسان، والتي تحوّل هؤلاء الأشخاص إلى وحوش عملياً. نحن عاكفون على دراسة هذه العوامل.

أعتقد أننا نتقدم باتجاه مستقبل في بلدنا تتوفر فيه الظروف لإلغاء الحكم بالإعدام، ليس اعتباراً من مسائل فلسفية بكل بساطة، وإنما من حس عميق بالعدالة والإنسانية".

المسألة هي أن الدراسة الفعلية، العميقة، للعقل البشري وللعوامل التي تؤدي إلى ارتكاب الجريمة لم يتم إجراؤها في أي مكان. أظن بأن كوبا هي أول بلد يعكف على هذا البحث بصمت، ولكنها تعمل في ذلك. واعتباراً من الثلاثين من هذا الشهر يكون مجازون في علم الوراثة قد زاروا جميع العاجزين، ومن بينهم بشكل رئيسي أولئك الذين يعانون أي نوع من التخلف العقلي. لم يجرِ أحد أبداً هذه الدراسة. إنما نحن "منتهكو حقوق الإنسان" الذين نقوم بها، لأن لديناً شعباً، رأسمال بشري، عدد الأطباء الذي نحتاجه، الموارد والإرادة الفولاذية منذ اليوم الأول على الكفاح من أجل صحة الأشخاص، والكفاح من أجل حقوق الإنسان.

لقد سبق وذكرت كم شخصاً تم إنقاذه في هذا البلد نفسه مع تخفيض نسبة الوفيات بين الأطفال إلى أدناها في هذه القارة، وهي واحدة من أدناها في العالم، أكثر انخفاضاً من نسبته في الولايات المتحدة، رغم الموارد الهائلة التي تتمتع بها هذه، وما نقوم بإنقاذهم في كل يوم، والثلاثة آلاف طبيب الذين يعملون في البرامج التكاملية بدون أن يقبضوا سنتاً واحداً من البلدان التي نقدم لها تعاوننا.

بل وأنه لا يمكن اليوم في العالم القيام ببرنامج لمكافحة الآيدز في أفريقيا، برنامج جاد، حقيقي، إذا لم يُؤخذ بالحسبان هذا البلد "منتهِك حقوق الإنسان".

تصوروا كم يوجد من النفاق في كل ذلك، ومع كل ذلك يجب البحث والنقاش لكي يوضع حداً للمزاعم والحكايات المرتبطة بهذا الأمر.

أعتقد أنه عند التعمق بكل ما ذكرته، يتم الوصول إلى الاستنتاج بأنه سيكون هناك دائماً أناس يجب عزلهم، انطلاقاً من حاجة حصراً وليس كعقوبة.

فيليبي غونزاليز، الذي شن كل حملته علينا في هذه الأيام، كان رئيساً للحكومة الإسبانية عندما تم إعدام العشرات من أعضاء حركة "إيتا" على هامش القانون. أن يقول بأنه لم يكن يعرف شيئاً إنما هو اعتراف أحمق أو تصريح وقح.

وأزنار، الرئيس الحالي للحكومة الإسبانية وحليف القوة العظمى في مجزرة الشعب العراقي، هو الذي نصح رئيس الولايات المتحدة في لقاء معه في الثالث عشر من نيسان/أبريل 1999، في لحظة غامضة من الحرب على يوغسلافيا، بقوله له حرفياً: "إذا كنّا في حرب فلنخضها كاملة، من أجل كسبها وليس بالقليل. إذا احتجنا للإستمرار لمدة شهر، ثلاثة أشهر، فلنفعل ذلك. لا أفهم لماذا لم نقصف الإذاعة والتلفزيون الصربيين بعد". بعد ذلك بساعات، أعطى حلف الناتو أوامره ببدء المرحلة الثانية، واشتدت حدة أعمال القصف وعدد الأهداف المعرضة للتدمير وتنوعها.

في الرابع عشر من نيسان/أبريل كانت قافلة من اللاجئين الألبان في كوسوفو هدفاً للهجوم الجوي، قضى فيه 85 منهم، عدا عن الجرحى. تدمير مصفاتين للنفط وحي سكني في بلغراد؛ انضمت 300 طائرة إضافية إلى قوات حلف الناتو.

وفي السادس عشر من نيسان/أبريل اشتدت حدة أعمال القصف للمحطات التلفزيونية والجسور. في ذلك اليوم وقع أشد هجوم شامل خلال أسبوعين.

عصر يوم السبت، السابع عشر من نيسان/أبريل، وصباح يوم الأحد، 18 نيسان/أبريل، شنت طائرات من حلف الناتو خمسمائة هجوم، فقصفت مصافي نفط، جسور، مصانع، والعشرات من الأهداف الأخرى، في ما وصفه حلف الناتو نفسه بأنه "الأربع وعشرين ساعة الأكثر نشاطاً من الحرب".

في الثامن عشر من نيسان/أبريل تعرضت مصافي نفط ومعامل كيماوية للتدمير في بلغراد ونوفي ساد، وتعطل الأوتوستراد الذي يربط بلغراد ببادغوريكا، عاصمة الجبل الأسود.

من المعروف أنه قبل يومين من ذلك كان المهاجِمـون قد بدأوا باستخدام قنابل "GBU-27"، المعروفة بسم "الزلزالية"، والتي تدخل في الإسمنت المسلح وتحدث هزة قوية تؤدي إلى انهيار المبنى وتلحق الأذى بمبانٍ أخرى كثيرة مجاورة.

في التاسع عشر من نيسان/أبريل تعرضت للهجوم مبانٍ مدنية من بلغراد ونوفي ساد ومناطق باراسين وكراليجيفو وسريمسكا. حلف الناتو يعترف بأنه يمكن أن يكون مردّ ذلك أخطاء مرتكبة من قبله.

في الحادي والعشرين من نيسان/أبريل، مهاجمة مقر الإقامة الشخصي للرئيس اليوغسلافي، ومبنى الحزب الاشتراكي، وثلاث محطات للبث التلفزيوني وعشرين شركة في مركز "أوشي" (Usche) التجاري.

في الثاني والعشرين من نيسان/أبريل دمّر صاروخان أطلقهما حلف الناتو آخر جسر فوق نهر الدانوب ونوفي ساد، مما قطع حركة التنقل عبر الأوتوستراد والقطار، وثمان محطات للبث.

علم في تلك اللحظات بأن المستشفيات لا تقدّم العناية إلا للحالات الطارئة، وكان عشرات الأطفال والشبان بين الثانية والتاسعة عشرة من العمر في بلغراد على وشك الموت بسبب عدم توفر الموارد اللازمة لإجراء الديلزة.

في الثالث والعشرين من نيسان/أبريل، في الساعة 2:20 فجراً، تعرضت المحطة التلفزيونية الصربية الرئيسية، وسط بلغراد، للتدمير الكامل، وقضى في الهجوم 16 شخصاً، وأصيب 19 بجروح، من بينهم العديد من الصحفيين، وعلق عشرون آخرون بين الأنقاض.

حلف الناتو يعلن بأنه يركز هجماته على الاتصالات والإذاعة والتلفزيون.

في تقرير لها وقع في 53 صفحة، اعتبرت منظمة العفو الدولية هذا الهجوم على الإذاعة والتلفزيون الصربيين بأنه جريمة حرب، باعتبار أن الأمر يتعلق بقصف مباشر لهدف مدني.

لم يكن قد مضى إلا عشرة أيام على نصائح السيد أزنار في اجتماعه مع رئيس الولايات المتحدة. أطلب من السيد أزنار أن يقول لي إذا كان هذا صحيحاً أم لا. لدي هنا وثيقة هامة. إنها طويل، عدد صفحاتها 15.

لقد بعث تطبيق حكم الإعدام في كوبا بالخاطفين قدراً من عدم التفهم العالمي أكبر من الذي بعثه اعتقال المرتزقة المأجورين لحكومة الولايات المتحدة، لأسباب واضحة تم شرحها سابقاً، الأمر الذي يضاف إليه سيل الأكاذيب والتضليل الذي قامت به وسائل إعلام الإمبراطورية وحلفائها. للأسف أن أشخاصاً يقدرهم شعبنا سارعوا للإدلاء بآراء وأحكام بدون معرفة وقائع وحقائق تستحق أخذها بعين الاعتبار. كما أننا قدّرنا وتوقعنا هذه المخاطر، ولا نسعى لأن يشاركونا وجهات نظرنا.

هناك أيضا ثوريون شرفاء كثيرون في بلدنا يعترضون على الحكم بالإعدام، غير أنهم يدركون الواجب المقدس في الكفاح لمنع إعدام ملايين الكوبيين على يد الذين يحاولون أن يفرضوا على كل شعوب الأرض نظاماً عالمياً نازياً-فاشياً مستبداً.

عندما أقول فاشية لا أقصد النظام السياسي الداخلي للولايات المتحدة. فيمكن انتزاع حقوق كثيرة من شعب الولايات المتحدة، أو تقييدها، ولكن لا يمكن لأحد أن يقيم هناك نظاماً فاشياً. إنما أتكلم عن نظام عالمي فاشي تفرضه حكومة الولايات المتحدة، يقوم على أساس القوة الساحقة لهذا البلد. وأنا لا أطبق هذا النعت ولا حتى على العسكريين الأمريكيين، الذين يتربون بدافع التقليد على التنفيذ الدقيق للأوامر التي يتم تلقيها، كالفرق الرومانية قديماً.

إذا كان هولوكوست بحق الشعب اليهود قد وقع قبل ستين سنة بالكاد، فأنه تجري اليوم محاولة منع الهولوكوست بحق عشرات الشعوب المهددة بالتعرض للهجوم، بل وللإبادة، إذ أنه، حسب ما يتم إعلانه، يمكن استخدام جميع الأسلحة من أجل الهجوم الوقائي والمفاجئ في أي زاوية مظلمة على وجه البسيطة.

من واجب ما يسمى العالم الغربي والمسيحي أن يعي هذه الحقيقة قبل أن يصبح الوقت متأخراً جداً، كما يبدو بأنه يحدث الآن أمام الهولوكوست الهائل الذي يسببه الفقر والجوع والتخلف وافتقاد التعليم والصحة والعولمة النيوليبرالية والنظام الاقتصادي والاجتماعي الحالي المفروض على البشرية، والتي تقتل في كل سنة عشرات الملايين من الأشخاص في بلدان العالم الثالث.

إن الأمة الكوبية فخورة بمثقفيها وفنانيها وعلمائها وبكل مهنييها الجامعيين، والذين ساندوا بالإجماع عملياً بيان المجلس الوطني للاتحاد الوطني للكتاب والفنانين الكوبيين الداعي لإقامة جبهة عالمية مناهِضة للفاشية.

ويشعر شعبنا بفخر خاص أيضاً بالمجموعة اللامعة من المثقفين والفنانين ذوي المكانة العالمية المرموقة الذين وجهوا ما حملت عنوان "رسالة من هافانا إلى أصدقاء بعيدين".

عدد لا يحصى من المثقفين والفنانين والعلماء والمهنيين الجامعيين من كل أنحاء البلاد عبروا عن رغبتهم الجامحة بتوقيع هذه الرسالة التي أصبحت تاريخية ونموذجية. إنهم راغبين بإثبات التزامهم للأجيال الحالية والمستقبلية. مئات الآلاف وقعوا تلك الكلمات التي تكشف بجرأة أن بلدنا الصغير معرض للتهديد اليوم أكثر من أي وقت مضى من قبل القوة العظمى التي تسعى لفرض دكتاتورية فاشية على مستوى الكوكب الأرضي.

إن شعبنا، التضامن والثوري حتى النخاع، يشعر بالفخر أيضاً بالأبطال الخمسة أسرى الإمبراطورية، الذين يظهرون شجاعة أمة مكافحة وبطلة، ليس من الواجب أن يتجاهلها أسياد العالم، ولا هانز هيرتيل، السفير الأمريكي في جمهورية الدومينيكان، ولا السيد الكريم شقيق رئيس الولايات المتحدة، الذين يحذروننا من فلوريدا بأن الحرب الهمجية ضد الشعب العراقي تشكل رسالة لكوبا. إنها رسالة ليست فقط لكوبا، وإنما هي رسالة فاشية أيضاً للعالم.

ولا ينبغي أن يتجاهلها أيضاً من يسمون "المنشقين"، الذين يعتاشون اليوم من امتهان التعاون مع خطط حكومة القوة العظمى التي تريد تدمير كوبا، التي يريدون أن يفرضوا عليها نظاماً فاشياً مستبداً ذا بعد كوني، كما تقول "الرسالة إلى الأصدقاء البعيدين".

إن كوبا تكافح اليوم في وجه "عملاق الفراسخ السبعة" الذي كان مارتيه أول من اكتشفه، والذي لا تصل خطواته إلى أراضي أمريكانا فقط، وإنما إلى جميع مناطق العالم.

شكراً لكل أصدقاء كوبا الشجعان الذين عرفوا كيف يدافعوا عنها في هذه اللحظة المجيدة! سنظل ملتزمين وأوفياء، كما كنا عليه منذ عام 1959 وحتى الآن. لن يكون هناك ما يدعوهم أبداً للخجل من دعمهم النبيل!

Versiones Taquigràficas